![]() |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
مقالات مجله شماره هفتم |
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
ظواهر عروضية لطيفة (المراقبة والمعاقبة والمكانفة)
الدكتور محمد ابراهيم خليفه الشوشتري[1] الملخص لقد لاحظ علماء العروض وجود ظواهر إيقاعية طريفة تعكس لنا ألواناً من التعامل السلوكي العجيب بين تفعيلات البيت الشعري، وذلك فيما يخص تناوبها في قبول الزِّحَاف ورفضه، وقد يحصل هذا التعامل التناوبي بين سببين في تفعيلة واحدة، كما قد يحصل بين سببين من تفعيلتين متجاورتين. كما لاحظوا ـ أيضاً ـ أنَّ هذا التعامل يتم وفق نظام دقيق و طريف، وذلك إذ لاحظوا الظواهر التالية: 1- لقد لاحظوا في بعض الأبحر أنّ التفعيلات التي اشتملت على سببين متجاورين، يجب أن يُزاحف أحد سببيها دون تعيين، فإذا زوحف أحدهما سلم الآخر، فلا يحق للزحاف أن يدخله، لأنّ هذين السببين لا يُزاحفا معاً، وقد سمَّوا هذه الظاهرة (المراقبة). 2- ولاحظوا ـ أيضاً ـ في بعض الأبحر أنَّ التفعيلات التي اشتملت على سببين متجاورين، يجوز فيها أن يسلم السببان من الزحاف، كما يجوز أن يزاحفا معاً، فلا يجوز للزحاف أن يدخلهما. كما لاحظوا في أبحر أخرى وجود هذا التعامل بين تفعيلتين متجاورتين بحيث إذا زوحف السبب الأول من تفعيلة لاحقة، سلم السبب الأخير من التفعيلة السابقة، أو إذا زوحف السبب الأخير من تفعيلة سابقة، سلم السبب الأول من التفعيلة اللاحقة، أو إذا زوحف السببان: الأول والأخير من تفعيلة بين تفعيلتين، سلم السبب الأخير من التفعيلة السابقة، كما سلم السبب الأول من التفعيلة اللاحقة. وقد سَمّوا هذه الظاهرة: (المعاقبة). 3- وقد لاحظوا ـ أيضاً ـ في أبحر أخرى جواز أن يُزاحف أحد سببي تفعيلة، وأن يُزاحف السببان جميعاً، وأنْ يَسلما جميعاً، وقد سَمّوا هذه الظاهرة: (المكانفة).
الكلمات الدليلية: العروض، المراقبة، المعاقبة، المكانفة، الصدر، العجز، الطرفان. مقدمة لقد جلب انتباه علماء العروض ثلاث ظواهر عروضية إيقاعية طريفة، تُمثل ألواناً من التعامل السلوكي العجيب بين تفعيلات البيت الشعري، وذلك فيما يخص تناوبها في قبول الزحاف ورفضه، أو تناوب سببين في تفعيلة واحدة الزحافَ، فقد يحدث هذا التعامل بين سببين في تفعيلة واحدة، كما قد يحدث بين سببين في تفعيلتين متجاورتين. وقد لاحظ علماء العروض ـ أيضاً ـ أنَّ هذا التعامل يتم وفق نظام إيقاعي دقيق ولطيف. وهذه الظواهر هي التالية: المراقبة أو التراقب، والمعاقبة أو التعاقب، والمكانفة. (يراجع الجامع للعروضي: ص 157). لقد عبر ابن رشيق عن هذه المواضيع بقوله: «وأما زحاف الحشو، فمن أهمه معرفة المعاقبة والمراقبة». (العمدة لابن رشيق: ج 1، ص 127). أما الشنتريني، فقد عبر عنها بقوله: «ومن ألقاب الزحاف: المعاقبة والمراقبة والمكانفة». (المعيار للشنتريني: ص 23). لكنّ هذه المواضيع هي أقرب شيء إلى كونها أحكاماً تتعلق ببعض أحوال الزحاف، كما سنرى. المراقبة أو التراقب: هي أن يتناوب الزحاف سببان خفيفان متجاوران في آخر (مَفَاعِيْلنْ) في بحر المضارع، أو في أول (مَفْعُولاتُ) في بحر المقتضب، بحيث يجب أن يُزاحفَ أحد السببين المتجاورين، ويَسلم الآخر من الزحاف، إذ لا يجوز أن يُزاحفا معاً، كما لايجوز أن يسلما معاً. يفهم من هذا التعريف أنَّ المراقبة تقع داخل التفعيلة، ولا تقع بين تفعيلتين. وأنها تقع في داخل كل من هاتين التفعيلتين: (مفاعيلن) (ومفعولاتُ) دون غيرهما، لذلك فالمراقبة تقع في البحرين التاليين فقط: بحر المضارع وبحر المقتضب. وتدخل التفعيلات الأولى من الأشطر. لذلك لا تقع المراقبة في البحر الطويل، لأنّ (مفاعيلن) لا تقع في (أوله).
الشرح إنّ اجتماع السببين الخفيفين في هاتين التفعيلتين: (مفاعيلن) و (مفعولاتُ) يسبب حصول المراقبة بين الحرف الثاني من السبب الأول، والحرف الثاني من السبب الثاني المجاور للأول. وهذه المراقبة تمنع من حصول الحالتين التاليتين: الاول: بقاء هذين الحرفين سالمين من الزحاف في التفعيلة: الثانية: حذف هذين الحرفين من التفعيلة بسبب زحافيهما. ومعلوم أنّه إذا امتنع تحقق الحالتين السابقتين، وجب تحقق الحالة الثالثة التي هي: وجوب أن يُزاحف أحدهما، فيحذف، ويبقى الآخر سالماً. وهذا ما تقتضيه القسمة. فالمراقبة لا تسمح للزحافين أن يدخلا معاً، ويحذفا الحرفين جميعاً، كما لا تسمح لهما أن لا يدخلا التفعيلة كليهما. بل تسمح لأحدهما ـ دون تعيين ـ أن يدخل التفعيلة ليحذف الحرف المطلوب. فإذا دخل أحدهما، منع الآخر من الدخول. فمثلاً: بالنسبة لتفعيلة (مفاعيلن) في بحر المضارع نجد الياء تراقب النون، لذلك إما أن تُحذف ياؤها بزحاف القبض، وتبقى نونها سالمة، كالآتي:
وإما أن تحذف نونها بزحاف الكف، وتبقى ياؤها، كما يلي:
لذلك لا يجتمع القبض والكف في تفعيلة (مفاعيلن) لوجود المراقبة بين يائها ونونها. وأما بالنسبة لتفعيلة: (مَفْعُوْلاتُ) في بحر المقتضب، فاننا نجد الفاء تراقب الواو، لذلك إما أن تحذف فاؤها بزحاف الخبن، وتبقى واوها سالمة، كالآتي:
وإما أن تحذف واوها بزحاف الطي، وتبقى فاؤها سالمة، كما يلي:
لذلك لا يجتمع الخبن والطي في تفعيلة (مفعولاتُ) في بحر المقتضب لوجود المراقب بين فائها وواوها. فوجود المراقبة هنا هو الذي منع من دخول الخبل ـ وهو اجتماع الخبن والطي ـ في هذه التفعيلة. المعاقبة أو المتعاقب: أن يتناوبَ الزحافَ سببان خفيفان متجاوران في تفعيلة واحدة، أو في تفعيلتين متجاورتين، بحيث يجوز أن يُزاحفَ أحدُ السببين، ويَسلمَ السببُ الآخرُ، كما يجوز أن يسلما جميعاً من الزحاف. لكن لا يجوز أن يُزاحفا معاً. «وإنّما لم يجز حذفهما معاً لئلاّ يجتمع أربعة متحركات في جزأين، لا جزء واحد». (الوافي للخطيب التبريزي: ص 51). ولعلّ من الأصلح منهجياً أن أذكر الفروق بين المراقبة والمعاقبة قبل ذكر أنواع المعاقبة.
الفروق بين المراقبة والمعاقبة 1- إنَّ المراقبة ينحصر وقوعها في داخل التفعيلة دون أن يرتبط ذلك بسلامة التفعيلة السابقة، أو التفعيلة اللاحقة، في حين أنَّ المعاقبة قد تقع في التفعيلة كذلك، وقد تقع بين تفعيلتين أو ثلاث. 2- إنَّ المراقبة لايجوز فيها أن يسلم السببان الخفيفان من الزحاف، في حين يجوز ذلك في المعاقبة. 3- إنَّ المراقبة يجب فيها أن يزاحف أحد السببين، في حين يكون ذلك في المعاقبة جائزاً. 4- إنَّ المراقبة تنحصر في تفعيلتين فقط، هما: (مفاعيلن) في المضارع، و (مفعولاتُ) في المقتضب، في حين نجد المعاقبة بنوعيها تشمل الأبحر التالية: الطويل والهزج والوافر والكامل والمنسرح والمديد والرمل والخفيف والمجتث.
أنواع المعاقبة إنّ التعريف السابق يشير إلى أنّ المعاقبة نوعان هما: النوع الاول: المعاقبة الحاصلة بين السببين حال كونهما في تفعيلة واحدة: المعاقبة في تفعيلة واحدة: يقع هذا النوع من المعاقبة في الأبحر الخمسة التالية: الهزج والطويل والوافر والكامل والمنسرح. علماً بأنَّ الأبحر الثلاثة الأخيرة مشروطة بتوضيحات سنذكرها ـ إن شاء الله تعالى ـ كلاً في مكانه. والمهم أنَّ المعاقبة في هذا النوع تقع في التفعيلتين التاليتين: 1- (مفاعيلن): في الأبحر التالية. الوافر والهزج والطويل. 2- (مستفعلن): في الكامل والمنسرح. وأشرح ـ فيما يلي ـ كلاً منهما في كل بحر تدخله: 1- (مفاعيلن) في الوافر والهزج والطويل: (مفاعيلن) في الطويل: تجوز فيها أحدى الحالتين التاليتين: الحالة الاول: أن يدخلها زحاف القبض، فتحذف ياؤها، وتصير: (مفاعِلُن).
الحالة الثانية: أن يدخلها زحاف الكف، فتحذف نونها، وتصبح: (مفاعيلُ).
ولايجوز أن يجتمع هذان الزحافان في (مفاعيلن) في الطويل لما بينهما من المعاقبة.
ملاحظة إنّ أبا تمام قد جمع في الطويل بين القبض والكف، فخالف حكم المعاقبة، وذلك في قوله الآتي:
فجمع في التفعيلة الثانية: (فيُسمِعُ: مفاعلُ) بين القبض والكف، «فجاء ثقيلاً نابياً». (شرح تحفة الخليل لعبد الحميد الراضي: 101) (مفاعيلن) في الهزج: يجوز فيها إحدى الحالتين التاليتين: الحالة الاولی: أن يدخلها زحاف القبض، فتحذف ياؤها، وتصبح: (مفاعلن). الحالة الثانية: أن يدخلها زحاف الكف، فتحذف نونها، وتصير: (مفاعيلُ). ولا يجوز أن يجتمع هذان الزحافان هنا لما بينهما من المعاقبة. (مفاعيلن) في الوافر: إنّنا نعلم أن (مفاعيلن) ليست هي التفعيلة الأصلية للبحر الوافر. وإنما تفعيلته هي (مُفاعَلَتُنْ). لذلك لا تجري المعاقبة فيها إلاّ بعد أن يدخلها زحاف العصب، فتصير (مفاعَلْتُنْ)، وتنقل إلى: (مفاعيلن)، كما يلي:
وعندئذ تجري المعاقبة بين يائها ونونها، (يراجع شرح تحفة الخليل: ص 73). فيجوز في (مفاعيلن) في الوافر إحدى الحالتين التاليتين: الحالة الاؤلی: أن تحذف ياؤها، فتصبح: (مفاعلن)، وحذف الياء هنا لا يسمى (قبضاً)، وإن كان المحذوف حرفاً خامساً ساكناً في الظاهر. بل يسمى الحذف هنا (عقلاً)، لأنّ المحذوف حرف خامس متحرك في الأصل. الحالة الثانية: أن تحذف نونها، فتصير (مفاعيلُ)، علماً بأنَّ حذف النون من (مفاعيلن) هذه لا يسمى (كفاً). بل يسمى (نقصاً)، لأنَّ حذف النون ـ وهو كف ـ قد حصل بعد تسكين الحرف الخامس ـ وهو عصب ـ فاجتمع العصب والكف، واجتماعهما يسمى (نقصاً)، والمهم أنّه لا يجوز حذف الياء والنون معاً، وأنه يجوز بقاؤهما معاً. 2- (مستفعلن): في الكامل والمنسرح: (مستفعلن) في الكامل: إننا نعلم أنَّ (مستفعلن) ليست هي التفعيلة الأصلية للبحر الكامل، وإنما تفعيلته هي: (مُتَفَاعِلُنْ)، لذلك لاتجري فيها المعاقبة إلاّ بعد أن يدخلها زحاف الإضمار، فتصبح: (مُتْفاعلن)، وتنقل إلى: (مُسْتَفْعِلُنْ)، كالآتي:
وعندئذ تجري فيها المعاقبة بين سينها وفائها، أو قل: بين الخبن والطي، فيجوز في (مستفعلن) في الكامل إحدى الحالتين التاليتين: الحالة الأولی: أن يدخلها زحاف الخبن، فتحذف سينها، وتصبح (مُتَفْعِلُنْ)، كما يلي:
الحالة الثانية: أن يدخلها زحاف الطي، فتحذف فاؤها، وتصير:(مُسْتَعِلُنْ)، كالآتي:
لكن لا يجوز أن يجتمع الخبن والطي في (مستفعلن) في البحر الكامل لوجود المعاقبة، ويجوز أن تسلم هذه التفعيلة من هذين الزحافين جميعاً.
ملاحظة علة عدم وقوع المعاقبة في (مستفعلن) الأصلية في الرجز إنما هي حصول المكانفة فيها. (مستفعلن) في المنسرح: إنّ الحديث عن جريان المعاقبة في (مستفعلن) في المنسرح ينحصر في المنسرح التام المطوي، وهو ـ كما يبدو ـ نوعان، هما: النوع الاول: وزنه الآتي:
فعروضه صحيحة، وهي (مستفعلن)، وضربه مطوي (واجب الطي)، وهو (مُسْتَعِلُنْ) ويجوز تحويلها إلى: (مُفْتَعِلُنْ). حكم هذا النوع: إنّ هذا النوع يشتمل ـ كما يبدو ـ على الحكمين التاليين: الحكم الاول: حكم العروض: وهو أنَّ المعاقبة تجري في العروض، لذلك تجوز فيها إحدى الحالتين التاليتين: الحالة الاولى: أن يدخلها زحاف الخبن، فتصبح: (مُتَفْعِلُنْ)، ويجوز نقلها إلى: (مفاعلن). الحالة الثانية: أن يدخلها زحاف الطي، فتصير: (مُسْتَعِلُنْ)، ويجوز تحويلها إلى (مُفْتَعِلُنْ)، ولا يجوز اجتماع هذين الزحافين، لأنَّ اجتماعهما يؤدي إلى توالي أربعة أحرف متحركات (مُتَعِلُنْ) مسبوقة بتاء (مفعولاتُ) المضمومة، وبذلك يكون مجموع الأحرف المتحركة المتوالية خمسة، وهذا أمر لا يجوز في الشعر، (يراجع الوافي للخطيب التبريزي: ص 136). لذلك تجري المعاقبة لتمنع من توالي هذه الأحرف المتوالية. الحكم الثانى: حكم الضرب: هو عدم جواز دخول الخبن، واجتماعه مع الطي; لأنّهما إذا اجتمعا، صارت التفعيلة: (مُتَعِلُنْ)، فاجتمعت أربعة متحركات متتاليات، وهذا أمر لو لم يكن مسبوقاً بحرف متحرك، لم يكن منه مانع. لكنه مسبوق بتاء (مفعولاتُ) المضمومة التي تضاف إلى تلك الأحرف الأربعة ليصير عددها خمسة أحرف متحركات متتاليات، وهذا أمر غير جائز في الشعر. النوع الثاني: وزنه الآتي:
فعروضه مطوية، وضربه مطوي كذلك، فالطي لازم فيهما جميعاً. (يراجع الإيقاع: ص 121) حكم هذا النوع: إن حكم عروض هذا النوع، وحكم ضربه واحد، وهو عدم جواز دخول الخبن مع الطي، لأنَّ ذلك يؤدي ـ كما قلنا ـ إلى توالي خمسة متحركات، وهذا لايجوز في الشعر . النوع الثاني: المعاقبة الحاصلة بين السببين حال كونهما في تفعيلتين متجاورتين: قال ابن رشيق: «فأما المعاقبة، فهي أن يتقابل سببان في جزءين، فهما يتعاقبان السقوط: يسقط ساكن أحدهما لثبوت ساكن الآخر، ويثبتان جميعاً، ولا يسقطان جميعاً». (العمد لابن رشيق: ج 1، ص 127). يشترط في هذا النوع الشرطان التاليان: الاول: أن لا تقع التفعيلة التي يقع فيها الزحاف لسلامة ما قبلها، في أول البيت. لعدم وجود تفعيلة قبلها تعاقبها. الثاني: أن لا يقع قبل التفعيلة المذكورة وتد; لأنّ الوتد لا يعاقب السبب. فلا يسمى ذلك معاقبة، بل تسمى تلك التفعيلة أو ذلك الجزء بريئاً من المعاقبة. (يراجع الجامع: ص 106) ويقع هذا النوع من المعاقبة في الأبحر الأربعة التالية: المديد والرمل والخفيف والمجتث. وهذا النوع ينقسم من جهة مكان الزحاف من التفعيلة. إلى ثلاثة أنواع، هي: النوع الاول: الصدر: هو الذي يقع فيه الزحاف في أول التفعيلة ـ أي في السبب الأول منها ـ لكي يسلم السبب الأخير من التفعيلة السابقة، فسبب وقع الزحاف في أول التفعيلة هو دفع الزحاف عن السبب الأخير من التفعيلة السابقة. قال الخطيب التبريزي: «الصدر: هو أن تحذف الألف من (فاعلن)، وتثبت النون من (فاعلاتن) التي قبلها». (الوافي للخطيب التبريزي: ص 51) والذي يبدو أنَّ هذا التعريف ناقص، لذلك يجب أن تضاف إليه العبارة التالية: (أو أن تحذف الألف من (فاعلاتن) لتسلم نون فاعلاتن التي قبلها). وأشمل من تعريف التبريزي تعريف العروضي حين قال: «فما زوحف لمعاقبة ما قبله سمي الصدر». (الجامع: ص 105) وإنما سمي هذا النوع صدراً لوقوع الزحاف في صدر التفعيلة، فالصدر هو التفعيلة التي زوحف سببها الأول، لذلك لا يقع هذا النوع في التفعيلة الأولى من البيت; لأنّه يجب أن يقع في تفعيلة مسبوقة بتفعيلة أخرى مختومة بسبب; لأنّه إنما يقع في التفعيلة لتسلم التفعيلة السابقة، ولا يقع في غير هذه الحالة أبداً. وسأذكر جميع الأمثلة، وذلك باجراء المعاقبة بأنواعها الثلاثة في جميع الأبحر الأربعة التي تقع فيها. النوع الثاني: العجز: هو الذي يقع فيه الزحاف في آخر التفعيلة ـ أي في السبب الأخير منها ـ لكي يسلم من الزحاف السبب الأول من التفعيلة اللاحقة، فعلة وقوع الزحاف في آخر التفعيلة هو منع الزحاف من الدخول في السبب الأول من التفعيلة اللاحقة. وإنما سمي هذا النوع عجزاً لوقوع الزحاف في عجز التفعيلة، فالعجز هو التفعيلة التي زوحف سببها الأخير، لذلك لا يقع هذا النوع في الضرب، لأنّه التفعيلة الأخيرة التي ليس بعدها تفعيلة، وهو إنّما يقع لتسلم التفعيلة التالية من الزحاف. قال الخطيب التبريزي: «العجز: أن تحذف النون من (فاعلاتن) الأولى، وتثبت الألف من (فاعلن) التي بعدها». (الوافي: ص 51) والذي يبدو أنّ هذا التعريف ناقص، ويجب أن تضاف إليه العبارة التالية: (أو تثبت الألف من «فاعلاتن» التي بعد «فاعلاتن» السابقة)، وأدق من هذا التعريف، تعريف العروضي، إذ قال: «وما زوحف لمعاقبة ما بعده سمي العجز». (الجامع: ص 105) النوع الثالث: الطرفان: هو الذي يجمع بين الصدر والعجز، ولنا أن نسميه: (المعاقبة المزدوجة أو المركبة)، فهو الذي يقع فيه الزحاف في موضعين من التفعيلة، فيقع في أول التفعيلة ـ أي في السبب الأول منها ـ لكي تسلم التفعيلة السابقة ـ أي: ليسلم السبب الأخير منها ـ ويقع ـ أيضاً ـ في آخر نفس التفعيلة لتسلم التفعيلة اللاحقة ـ أي ليسلم السبب الأول منها ـ فالطرفان: هو التفعيلة التي زوحف سببها الأول، وسببها الأخير. قال أبو الحسن العروضي: «وما زوحف لمعاقبة ما قبله، وما بعده سمي طرفين». (الجامع: ص 105)
أمثلة النوع الثاني من المعاقبة بانواعها الثلاثة إجراء المعاقبة بأنواعها الثلاثة في الأبحر الأربعة التالية: البحر المديد: وزنه الآتي:
واضح أنَّ وزن المديد يتألف من تفعيلتين هما: (فاعلاتن) و(فاعلن)، وسأوضح ـ فيما يلي ـ إجراء المعاقبة في كل منهما: أولاً: (فاعلاتن): يجوز أن تكون هذه التفعيلة صدراً أو عجزاً أو طرفين، وأذكر كلاً منهما فيما يلي: 1- كون (فاعلاتن) صدراً: يشترط في كون (فاعلاتن) صدراً أن تقع في أول الشطر الثاني من البيت، لأنها في هذه الحالة فقط تكون مسبوقة بنظيرتها (فاعلاتن) المختومة بسبب خفيف. أما وقوعها في أول البيت، فلا معاقبة فيه، لأنها غير مسبوقة بتفعيلة مختومة بسبب، وكذلك وقوعها عروضاً وضرباً لا معاقبة فيهما، لأنها في هاتين الحالتين تكون مسبوقة بتفعيلة: (فاعلن) المختومة بوتد مجموع، ومعلوم أنَّ الوتد لا يعاقب السبب. (يراجع العمدة: ج 1، ص 127). لذلك لا تكون (فاعلاتن) صدراً إلاّ إذا وقعت في أوّل العجز. فتحذف ألفها الأولى بالخبن لتسلم نون (فاعلاتن) قبلها من زحاف الكف، وذلك كما يلي، قال الشاعر:
فتفعيلة (فعلاتن) في أول العجز صدر، لأنَّ الخبن إنما دخلها لكي تسلم (فاعلاتن) التي قبلها من زحاف الكف. 2- كون (فاعلاتن) عجزاً): يمكن أن يَحذف الكف نون (فاعلاتن) الواقعة في أول البيت لكي يسلم ألف (فاعلن) بعدها من زحاف الخبن. كما يمكن أن يَحذف الكف نون (فاعلاتن) الواقعة عروضاً لكي يسلم ألف (فاعلاتن) بعدها في أول العجز من الخبن، وذلك على النحو التالي، قال الشاعر:
كون (فاعلاتن) طرفين: يشترط في كون (فاعلاتن) طرفين في بحر المديد أن تقع في أول العجز، لأنّ الشروط المعتبرة في كونها طرفين لا تتوفر إلاّ في هذه الحالة.
التوضيح إنّ بيت المديد ـ كما نعلم ـ يشتمل على أربع تفعيلات من نوع (فاعلاتن)، ولا يصلح من هذه التفعيلات; لأن يكون طرفين غير تلك التي في أول العجز. أمّا التفعيلات الثلاث الباقية، فلا تتوفر فيها الشروط اللازمة، وأذكر ـ فيما يلي ـ علة عدم صلاحية كل منها: 1- (فاعلاتن) الواقعة في أول البيت: إنَّ هذه التفعيلة لا يجوز أن تكون طرفين لأنّها غير مسبوقة بتفعيلة مثلها. فلا تكون صدراً، وما لم يكن صدراً وعجزاً، لا يكون الطرفين. 2- (فاعلاتن) الواقعة عروضاً: لايجوز أن تكون هذه التفعيلة طرفين; لأنّها لم تسبق بسبب. بل سبقت بوتد مجموع ـ أي: سبقت بتفعيلة مختومة بوتد مجموع ـ ومعلوم أنَّ الوتد لا يعاقب السبب (يراجع العمدة: ج 1، ص 127) 3- (فاعلاتن) الواقعة ضرباً: إنَّ علة عدم جواز أن تكون هذه التفعيلة طرفين هي أنها غير متلوة بتفعيلة مثلها. فلا تكون عجزاً وما لم يكن عجزاً وصدراً، لا يكون طرفين. والنتيجة التي خرجنا بها هي أنَّ (فلاعلاتن) الواقعة في أول العجز هي وحدها التي يمكن أن تكون طرفين، وذلك على النحو التالي، قال الشاعر:
ثانياً: فاعلن: إننا نعلم أنَّ البيت من المديد يشتمل على تفعيلتين من نوع (فاعلن)، ولا شك أنّ كلاً منهما تستطيع أنْ تكون صدراً فقط، وذلك حين تحذف ألفها بالخبن لكي تسلم التفعيلة التي قبلها من زحاف الكف، وذلك على النحو التالي: ومثاله من الشعر البيت الأول الذي ذكرته ـ فيما سبق ـ وهو:
ولا يجوز أن تكون (فاعلن) عجزاً; لأنّها مختومة بوتد، والوتد لا يعاقب السبب. كما لايجوز أن تكون (فاعلن) طرفين; لأنَّ الطرفين هو الجمع بين الصدر والعجز، وإذا انتفى كونها عجزاً; فإنّه من الأولى أن ينتفي كونها طرفين. البحر الرمل: أصل وزن الرمل هو الآتي:
لكنّ الرمل إذا كان تاماً كانت عروضه محذوفة، (يراجع الإيقاع: ص 59). فوزنه يكون الآتي:
وهذا الوزن يتألف من ست تفعيلات، يكون خمس منها من نوع (فاعلاتن)، وواحدة ـ وهي تفعيلة العروض ـ من نوع (فاعلن)، وفيما يلي أبين المعاقبة في كل منهما: أولاً: (فاعلاتن): يجوز أنْ تكون هذه التفعيلة صدراً أو عجزاً أو طرفين كما هو حالها في البحر المديد. 1- فتكون صدراً إذا دخلها زحاف الخبن، فحذف ألفها لكي تسلم نون (فاعلاتن) الواقعة قبلها من زحاف الكف. والقسمة تقتضي أَنْ يجوز ذلك في التفعيلة الثانية والخامسة ـ وهما حشو البيت ـ وفي الضرب، وذلك على النحو التالي، قال الشاعر:
2- وتكون عجزاً إذا دخلها زحاف الكف، فحذف نونها لتسلم ألف (فاعلاتن) الواقعة بعدها من الخبن، وذلك علي النحو التالي، قال الشاعر:
3- وتكون طرفين إذا دخلها زحاف الخبن فحذف ألفها لتسلم التفعيلة قبلها من زحاف الكف، ودخلها زحاف الكف فحذف نونها لتسلم التفعيلة بعدها من زحاف الخبن، ويجوز أنْ يقع ذلك في التفعيلة الثانية والخامسة، وهما حشو البيت، وذلك كما يلي، قال الشاعر:
ثانياً: (فاعِلُنْ): يجوز أنْ تكون هذه التفعيلة صدراً فقط، وذلك حين تحذف ألفها بالخبن لكي تسلم التفعيلة التي قبلها من زحاف الكف، وذلك على النحو التالي، قال الشاعر:
وقد مَرَّ تقطيعه، وإيضاحه. ولا يجوز أن تكون (فاعلن) عجزاً، لأنها مختومة بوتد، والوتد لا يعاقب السبب. كما لايجوز أن تكون طرفين; لأنَّ الطرفين هو الجمع بين الصدر والعجز، وإذا بطل كونها عجزاً، فانَّ بطلان كونها طرفين أولى. البحر الثالث: الخفيف: وزن الخفيف هو الآتي: فاعلاتُن / مُسْتَفْعِ لُنْ / فاعلاتُنْ فاعلاتُنْ / مُسْتَفْعِ لُنْ / فاعلاتُنْ وهذا الوزن يتألف من ست تفعيلات، أربع منها من نوع (فاعلاتُن)، واثنتان من نوع (مستفع لن)، وفيما يلي أبين المعاقبة في كل منهما: أولاً: (فاعلاتن): يجوز أن تكون (فاعلاتن) صدراً أو عجزاً أو طرفين، وذلك على النحو التالي: 1- كون (فاعلاتن) صدراً: إنما تكون (فاعلاتن) صدراً في ثلاثة مواضع هي: العروض والضرب وأول العجز. وذلك كالآتي: قال أبو العلاء المعري مادحاً شريفاً من العلويين:
2- كون (فاعلاتن) عجزاً: إنما تكون (فاعلاتن) عجزاً في ثلاثة مواضع هي: أول البيت، والعروض، وأول العجز، وذلك كما في قول الشاعر التالي:
3- كون (فاعلاتن) طرفين: لا تكون (فاعلاتن) طرفين إلا في العروض أو في أول العجز، ولا يجوز أن يكون كل منهما طرفين معاً في بيت واحد، بل يجوز أن تكون إحداهما طرفين، وإذا صارت إحداهما طرفين، فلا يجوز أن تكون الأخرى طرفين، لأنّ كون العروض طرفين يقضي بسلامة ألف (فاعلاتن) في أول العجز، في حين أنّ كون تفعيلة أول العجز طرفين يقتضي بحذف ألفها هذه، وكذلك نجد كون تفعيلة أول العجز طرفين، يقضي بسلامة نون تفعيلة العروض، في حين أنَّ كون تفعيلة العروض طرفين، يقضي بحذف هذه النون، ولا شك أنه لايجوز أن يكون الحرف موجوداً محذوفاً في آن واحد. لذلك إذا كانت إحدى التفعيلتين المذكورتين طرفين، امتنع أن تكون الأخرى كذلك، لأنّ ذلك يؤدي إلى أن يكون الحرف موجوداً محذوفاً في وقت واحد. وهذا أمر باطل مرفوض. فإما أن تكون تفعيلة العروض طرفين كما يلي، في قول الشاعر:
وإما أن تكون تفعيلة أول العجز طرفين كالآتي في قول الشاعر:
ثانياً: (مستفعِ لُنْ): يجوز أن تكون (مستفع لن) صدراً وعجزاً أو طرفين، وذلك كما يلي: 1- كون (مستفع لن) صدراً: إننّا نعلم أنّ البيت من الخفيف يشتمل على تفعيلتين من نوع (مستفع لن)، ولا شك أنَّ كلاً منهما تستطيع أن تكون صدراً مجتمعتين في بيت واحد، وذلك حين تحذف السين بزحاف الخبن لكي تسلم التفعيلة التي قبلها من الكف، وذلك كقول أبي العلاء المعري مادحاً شريفاً من العلويين:
2- كون (مستفع لن) عجزاً: يجوز أن تكون (مستفع لن) عجزاً في حشو الصدر وحشو العجز، وذلك حين تحذف نونها بزحاف الكف لكي تسلم التفعيلة التي بعدها من الخبن على النحو التالي، قال الشاعر:
3- كون (مستفع لن) طرفين: يجوز أن تكون (مستفع لن) طرفين في حشو البيت، وذلك حين تحذف سينها بالخبن لسلامة ما قبلها من الكف، وتحذف نونها بالكف لسلامة ما بعدها من الخبن، وذلك على النحو التالي، قال الشاعر:
البحر الرابع: المجتث: الشائع في بحر المجتث أنه لم يرد غير مجزوء، (يراجع تحفة الخليل: ص 279) فوزنه الآتي: مُستفعِ لُنْ / فاعلاتُن مُسْتَفعِ لُنْ / فاعلاتُنْ وهذا الوزن يتألّف من أربع تفعيلات، اثنتان منها (مستفع لن) واثنتان (فاعلاتُنْ)، وفيما يلي أوضح إجراء المعاقبة في كل منهما: أوّلاً: (مستفع لن) يجوز أن تكون (مستفع لن) صدراً أو عجزاً أو طرفين، وذلك على النحو التالي: 1- (مستفع لن) صدراً: يجوز أن تكون (مستفع لن) صدراً إذا وقعت في أول العجز، مثال ذلك قول الشاعر:
أما (مستفع لن) الواقعة في أوّل البيت فلا يجوز أن تكون صدراً، لأنّها غير مسبوقة بتفعيلة أخرى. 2- كون (مستفع لن) عجزاً: يجوز أن تكون كّل من (مستفع لن) في أوّل الصدر، و(مستفع لن) في أوّل العجز عجزاً، وذلك حين يدخل كلاً منهما زحاف الكف ليسلم ما بعدهما من الخبن على النحو التالي في قول الشاعر:
3- كون (مستفع لن) طرفين: تفعيلة (مستفع لن) الواقعة في أول العجز، يجوز أن تكون طرفين وذلك حينما يحذف سينها ونونها بزحاف الشكل المزدوج لسلامة ما قبلها، وما بعدها كما يلي في قول الشاعر:
ولايجوز أن تكون (مستفع لن) الواقعة في أول البيت طرفين، لأنّها لا تكون صدراً، وما لا يكون صدراً وعجزاً لا يكون طرفين; لأنّ الطرفين عبارة عن اجتماع الصدر والعجز. ثانياً: (فاعلاتن): يجوز أن تكون (فاعلاتن) صدراً أو عجزاً أو طرفين، وذلك كما يلي: 1- كون (فاعلاتن) صدراً: يجوز أن تكون (فاعلاتن) صدراً في العروض وفي الضرب، وذلك ما يلي في قول الشاعر:
2ـ كون (فاعلاتن) عجزاً: يجوز أن تكون (فاعلاتن) عجزاً في العروض فقط، كما يلي في قول الشاعر:
ولا يجوز أن تكون تفعيلة الضرب (فاعلاتن) عجزاً، لعدم وجود تفعيلة بعدها. 3- كون (فاعلاتن) طرفين: يجوز أن تكون (فاعلاتن) الواقعة في العروض طرفين، وذلك حينما تحذف ألفها ونونها بالخبن والكف لسلامة ما قبلها من الكف، وما بعدها من الخبن، وذلك على النحو التالي، في قول الشاعر:
ولا يجوز أن تكون (فاعلاتن) في الضرب طرفين; لأنّها لا تكون عجزاً، وما لا يكون عجزاً وصدراً لايكون طرفين. المكانفة: أن يتجاور سببان خفيفان في تفعيلة واحدة ـ كما في (مستفعلن) و (مفعولاتُ) ـ فيجوز زحافهما معاً، وسلامتهما معاً، وزحاف أحدهما وسلامة الآخر. لذلك تجوز في كل من (مستفعلن) و(مفعولاتُ) أربع حالات أذكرها بعد قليل ـ إن شاء الله تعالى ـ وهذا يعني أنّ الشاعر يكون حراً في أن يجعل كلاً من هاتين التفعيلتين مزاحفة بزحاف أو بزحافين، أو أن يتركها سالمة وتجري المكانفة في التفعيلتين التاليتين فقط: الاول: (مستفعلن): في الرجز والسريع والبسيط، والتفعيلة الأولى من شطري المنسرح. والمكانفة تجيز لتفعيلة (مستفعلن) في هذه الأبحر المذكورة، أن تكون في إحدى الحالات الأربع التالية: فيقال: إنّ بين سين (مستفعلن)، وفائها مكانفة. 1- (مستفعلن): تبقى سالمة من الزحاف.
الثانية: (مفعولاتُ): في المنسرح، وتجيز المكانفة لـ(مفعولاتُ) أن تكون في إحدى الحالات الأربع التالية: 1- (مفعولات): تبقى سالمة من الزحاف.
فيقال: إنَّ بين فاء (مفعولاتُ) وواوها مكانفة. ملاحظة (1): لا جري المكانفة في (مستفعلن) في المقتضب، وذلك للزوم زحاف الطي فيها، في المجزوء الذي لم يرد غيره. (يراجع شرح تحفة الخليل: ص 270). ملاحظة (2): لا تجوز المكانفة في (مستفعلن) الواقعة عروضاً في المنسرح، لجريان المعاقبة في العروض، كما لا تجوز فيها إذا وقعت ضرباً مطوياً، وذلك للزوم الطي ووجوبه في الضرب. ملاحظة (3): لا تجري المكانفة في (مفعولاتُ) في المقتضب، لوجود المراقبة فيها بين الفاء والواو، فلا يجتمع الخبن والطي، وقد شرحنا هذا في المراقبة.
النتيجة إنّنا اطلعنا عن كثب على ظواهر عروضية إيقاعية لطيفة، لم يتناولها بالبحث أكثر المحققين المحدثين كالدكتور إبراهيم أنيس في كتابه (موسيقى الشعر)، والدكتور عبد الرضا علي في كتابه (موسيقى الشعر العربي قديمة وحديثة)، والدكتور صفاء خلوصي في كتابه (فن التقطيع الشعري)، ومحمود فاخوري في كتابه (سفينة الشعراء)، والدكتور عبد العزيز عتيق في كتابه (علم العروض والقافية). علماً بأنَّ الذين تناولوها لم يعطوها حقها من البحث والتحقيق، مع أنّها تفيدهم في مواصلة بحوثهم العروضية، وتعينهم على التفهم الصحيح للمواضيع الإيقاعية العميقة أكثر فأكثر، مما يشهد للعلماء السابقين بالفضل في المجال العلمي الذي بذلوا فيه جهوداً كثيرة مشكورة.
المصادر والمراجع 1- الإيقاع في الشعر العربي من البيت إلى التفعيلة للدكتور مصطفى جمال الدين، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، الطبعة الأولى، سنة 1970 م. 2- الجامع في العروض والقوافي لأبي الحسن العروضي، تحقيق الدكتور زهير غازي زاهد وهلال ناجي، دار الجيل، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة 1996 م. 3- شرح تحفة الخليل في العروض والقافية لعبد الحميد الراضي، مؤسسة الرسالة، الطبعة الثانية، سنة 1975م. 4- العقد الفريد لابن عبد ربه الأندلسي، تحقيق الدكتور عبد المجيد الترحيني، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة 1983م. 5- العمدة لابن رشيق القيرواني، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مطبعة حجازي بالقاهرة، الطبعة الأولى، سنة 1934 م. 6- فن التقطيع الشعري للدكتور صفاء خلوصي، مكتبة المثنى، بغداد، ومؤسسة المطبوعات العربية، بيروت، لبنان، الطبعة الخامسة، سنة 1977 م. 7- القسطاس المستقيم في علم العروض للزمخشري، تحقيق الدكتورة بهيجة الحسني، مطبعة النعمان، النجف الأشرف، سنة 1970 م. 8- المعيار في أوزان الأشعار لأبي بكر الشنتريني الأندلسي، تحقيق الدكتور محمد رضوان الداية، دار الأنوار، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، سنة 1968 م. 9- مفاتح العلوم لأبي يعقوب السكاكي، تحقيق نعيم زرزور، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، سنة 1987 م. 10- الوافي في العروض والقوافي للخطيب التبريزي، تحقيق الدكتور فخر الدين قباوة، دار الفكر، دمشق، سورة، الطبعة الرابعة، سنة 1986م.
پديدههاي عروضي لطيف (المراقبة والمعاقبة والمكانفة)
دكتر محمد ابراهيم خليفه شوشتري عضو هيأت علمي گروه زبان و ادبيات عربي دانشگاه شهيد بهشتي
خلاصه فارسي علماي عروض توانستند پديدههايى بين واحدهاى آهنگ بيت شعر كشف كنند كه اين پديدهها نشان دهندة تعامل و رفتار عجيبى بين اين آهنگهاست؛ اين تعامل در دو جا ديده شده است: 1ـ در داخل يك تفعيله. 2ـ بين دو تفعيله. اين تعامل طبق يك نظام دقيق و ظريف صورت گرفته است كه ذيلاً شرح اين پديدهها بهطور مختصر ذكر مىشود: 1ـ در بعضى از بحرها ملاحظه شده است كه تفعيله هايى كه بر دو سبب كنار هم مشتملند، بايد يكى از دو سبب آنها زحاف را قبول كند، به شرط اين كه سبب دوم از زحاف سالم بماند. اين پديده را (المراقبة) ناميدهاند. 2ـ در بعضى از بحرها ديده شده است كه در تفعيلههايى كه بر دو سبب مشتملند، دو حالت جايز است: حالت اول: اين كه هيچ زحافى تقبل نكنند، يعنى دو سبب تفعيله سالم از زحاف مىمانند. حالت دوم: اين كه يكى از دو سبب تفعيله زحاف را به شرطى تقبل كند كه سبب دوم از زحاف سالم بماند. همچنين در بحرهاى ديگر ملاحظه شده است كه اين تعامل بين دو تفعيله همسايه صورت گرفته است و سه حالت زير را دارد: حالت اول: سبب اول تفعيله بعدى به شرطى زحاف را مىپذيرد كه آخرين سبب تفعيله قبلى از زحاف سالم بماند. حالت دوم: آخرين سبب تفعيله قبلى به شرطى زحاف را قبول مىكند كه اولين سبب تفعيله بعدى از زحاف سالم بماند. حالت سوم: سببهاى اول و آخر تفعيلهاى كه در وسط قرار دارد، به شرطى زحاف را هر دو قبول كنند كه آخرين سبب تفعيله قبلى، و اولين سبب تفعيله بعدى از زحاف سالم بمانند. اين پديده را (المعاقبه) ناميدهاند. 3ـ در بحرهاي ديگر ملاحظه شده است كه دو سبب تفعيله در پذيرفتن زحاف آزاد هستند، بهطوري كه مىتوانند هر دو از زحاف سالم باشند، و يا هر دو زحاف را قبول كنند، و يا يكي از آنها سالم بماند و ديگرى زحاف را بپذيرد. اين پديده را (المكانفة) نام گذاري كردهاند.
كليد واژهها: مراقبه، معاقبه، مكانفه.
---------------------
الموسيقى في الشعرالاجتماعي عند حافظ ابراهيم
الدكتور ابراهيم زارعي فر[1] الملخص الموسيقى هي من أهمّ ما يقيّم به الشعر‘ وهناك شعراء يهتمّون باختيار الأوزان والكلمات المعبّرة وذات الدلالات الموسيقية، ويمكن أنْ نضع حافظ ابراهيم إلى جانب هؤلاء الشعراء ونأخذ شعره الاجتماعي بالدراسة والنقد الموسيقيين. فقد اهتمّ هذا الشاعر بالموسيقى الظاهرة (المسموعة) والموسيقى الخفيّة فكثير من الأوزان التي اختارها لقصائده هي أوزان ملائمة للموضوع، والكلمات التي استخدمها أيضا تعينه على المعنى الذي يريد نقله الی المستمع، كما اهتمّ أيضا بالموسيقى الخفيّة التي تمثّل في المحسّنات البديعية المعنوية.
الكلمات المفاتيح: حافظ ابراهيم، الموسيقى الداخليّه، الموسيقى الخارجيّه، الموسيقى الخفيّه.
المقدّمة الموسيقى في النقد الشعريّ هي من أهمّ مقومّات الشّعر، فلهذا فانّ النقّاد قد اهتمّوا اهتماماً جيّدا بهذا العنصر الرئيس للشعر فهناك كتب خاصّة بهذا الموضوع و كتب عالجت الموضوع ضمن الموضوعات النقدية الأخرى، كما اهتمّ عدد آخر من الباحثين بتطبيق هذا العنصر على شعر الشعراء فهناك بعض الشعراء نرى أنّ الموسيقى في شعرهم بارزة بروزا واضحا يمكن أن نضعها ضمن المقومات الأساسيه في تقييم شعرهم. وحافظ إبراهيم واحد من هؤلاء الشعراء و هو شاعر يؤثر اللفظ على المعنى ويهتمّ باختيار الألفاظ أكثر من المعاني و للموسيقى في اختيار هذه الألفاظ دور بارز. ومن الطبيعي أن يهتمّ حافظ باختيار الألفاظ ذات الموسيقى لأنّه شاعر الشعب وقضاياهم هيِ قضاياه هو وهو يلقي كثيرا من قصائده في الحفلات الشعبية ونعلم أنّ للموسيقى دوراًهامّاً في الإلقاء. نعم هذه الميزات البارزة في شعر حافظ هي ِالّتي تجعلني أعالج قضيّة الموسيقى في الشعرالاجتماعي لهذا الشاعر الكبير.
حافظ ابراهيم ولد محمد حافظ ابراهيم فهمي في سفينة كانت ترسو على شاطئ النيل بالقرب من بلدة«ديروط» وكان ذلك – على تقدير اللجنة الطبية – سنة 1872م . توفي أبوه وكان عمر حافظ أربع سنوات فتكفّله خاله ولكن خاله هذا بحكم عمله انتقل الى طنطا وانتقل معه حافظ وتعرف هناك على الاستاذ الشيخ عبدالوهاب النجار (عبد الحميد سند الجندي، ص 17). اشتغل حافظ بمهنة المحاماة ثم تخرّج في المدرسة الحربية كضابط في الجيش، وفي سنة 1896م أرسل الى السودان مع الحملة المصرية وحدثت في السودا ن ثورة اتّهم فيها عدد من الضبّاط من بينهم حافظ فحوكم وأحيل الى الاستيداع (احمد امين وآخرون، ص 10). وكان لهذا الحادت أثر عميق في نفس حافظ واستولى عليه يأس شديد، ولم يستطع أن يحصل على عمل يسّد فراغه و على راتب يعيش عليه عيشة كفاف. ولكن هذاالأمر ساعده أن يقف على آلام الشعب و ما يحدث في المجتمع خاصّة بعد أن زاد اتصاله بالشيخ محمد عبده. وكان لهذه الفترة التي أصبح حافظ عاطلا عن العمل أثر كبير في نموّ أفكاره الاجتماعية وظهورها في شعره لأنّه لا توجد في هذه الحقبة من حياته عوائق الوظيفة وغيرها تمنعه من القيام بما يجب أن يقوم به.و في سنة 1911م عُيّن رئيسا للقسم الأدبي في دارالكتب المصرية، فأصبح – على حدّ قول شوْقي ضيف – حبيساً في قفص الوظيفة (ص358). ولهذا لانرى في هذه الفتره من حياته شعرا اجتماعياً أوسياسياً رائعاً ذا معان عميقة نابعة من عاطفته المعهودة في الفترة الأولی إلّا قليلا. أمّا ثقافة حافظ فإنّه لم يستمد كثيراً من المدارس في إكمال ثقافته لكنّه قرأ بنفسه دواوين الشعر مثل ديوان بشار وأبي نؤاس وأبي تمام والبحتري وغير هم من جهة وجالس العلماء مثل الشيخ محمد عبده وسعد زغلول وقاسم امين ومصطفى كامل من جهة اُخرى (أحمدأمين وآخرون ص 20). وكان حافظ يشارك هؤلاء في مجالسهم وينقل الاحاديث التي يتبادلونها فيما بينهم عن طريق شعره الى الشعب. كما و يجالس أيضاالأدباء والشعراء في المقاهي والنوادي (عبدالمنعم خفاجي،1/106). وكان حافظ ملمّاً بالفرنسية لكنه لا يتقنها ومع هذا فقد ترجم البؤساء لفيكتور هوجو وشارك مطران في ترجمة كتاب موجز الاقتصاد لكنّه لم يستفد من الفرنسيّة في شعره شيئاً يذكر.
موسيقى الشعر الموسيقی هي ركن رئيس لصياغة الشعر العربي، والكلام الذي له طابع موسيقّي ينفذ إلى القلب أكثرمن الكلام العادي والسرّ في ذلك أن الموسيقى أكثر قدما من اللّغة لأنّها أصوات والأصوات أقدم من اللغات، ولأنّ الموسيقى تدلّ على معان غامضة ومبهمة واللّغة تدلّ على معان محدّدة أو أكثر تحديدا من الموسيقى، والأوّل أحلى للقلب وأكثر قبولاً من الثاني، والموسيقى - كما يقال- لغة لا تحتاج إلى الترجمة، فلهذا تدخل القلوب مباشرة دون أن يمسّها شيء من الفكر والعقل (شوقي ضيف، ص29). وبناءً على هذا يمكن أن نعتبر الموسيقى من أهمّ عناصر الشعرلأنّها إحدى المقوّمات الّتي يمتاز بها الشعر من النثر. الموسيقى في الشعرليست نسيج وحدها بل لها علاقة وطيدة بالمعنی والسبب في ذلك - كما ذكر ت. س .إلیوت- أن الشاعر «يتجاوز حدود الوعي إلی عالم لا تستطيع الكلمات المنثورة أن تبلغه، وإنّما تبلغه الكلمات المنظومة فهذاالعالم الذي يتعدّى حدود الوعي له معنى و لكنّ معناه يبلغه الشعر وحده بكلماته ذوات الموسيقى الشعريّة » (د.محمدالنويهي، ص20). فالموسيقى تساعد الشاعرعلى أن يعرب عمّا لا يستطيع الناثرالإعراب عنه فمثلاً عندما نسمع هذاالبيت من معلقة امرئ القيس في وصف فرسه: مكرّ مفرّ مقبل مدبر معاً كجلمود صخرحطّه السيل من عل (شرح المعلّقات السبع،ص44) نحسّ بحركة الفرس المتواصلة، فندرك مدى دلالة الموسيقى على ما في البيت من معنى الحركة والسرعة المتواصلتين. والموسيقى الّتي تثير في الإنسان الاهتزاز النفسيّ لا تنحصر في البحر الشعريّ وحده بل الإيقاع الصوتيّ هو الآخر يثير هذه الحركة فيمكن القول إنّ الإيقاع جزء من دلالة التعبيرالشعريّ (سيّد قطب، 56).
الموسيقى في شعر حافظ ابراهيم إنّ حافظا ليس شاعراً كبيرا من حيث المعنى والخيال، فالمعنى في شعره مطروق لم يأت بجديد يعتدّ به وخياله خال من الابتكار والروعة، إنّما السرّ في عظمته هو أنّه شاعرالعاطفة القويّة النابعة من آلام الشعب وآماله والموسيقى التي هي انعكاس لشخصيته ونتيجة لثقافته (حنّا الفاخوري، 4/530) تلك الموسيقى التي هي في أكثر الأحيان وليدة عاطفته الحزينة، تلك العاطفة التي جاءت إلیه لأنّه يعيش عيشة الشعب فقضايا هم هي قضاياه نفسه، وهذه العاطفة صادقة لأنّها مرتبطة بالواقع، وبالتإلی فالموسيقى أيضا موسيقى صادقه تأتي عفواً بلا أيّ تكلف لأنّها نبعت من العاطفة الصادقة. كما أنّ حافظاً يؤثر اللفظ على المعنى ويرى أنّ المعنى يتبع اللفظ فلهذا فانّه يهتمّ باختيار الألفاظ أكثرمن المعاني، ويستعين علی هذاالاختيار بالموسيقى ليكون اختياره أتمّ وأوقع على المسامع، و يحاول كذلك أن يلائم بين الموسيقى و موضوع الشعر (أحمد أمين و...، ص39-40). لسهولة دراسة الموسيقی في الشعر الاجتماعي عند هذا الشاعر لابدّ أن نقسّم موسيقى الشعر إلى: الموسيقى الظاهرة(الخارجية والداخلية) و الموسيقى الخفية.
1- الموسيقى الظاهرة الف- الموسيقى الخارجيّة أوّل شيء يتبادر إلی ذهن الانسان عندالحديث عن الموسيقى الشعرية هو الوزن و القافية، ذلك التوازن الإيقاعي الموجود بين تفعيلات بحر من البحور - الشعرية المعروفة والتوافق الحرفي في آخر كلّ بيت من القصيدة، ويكفي لأهمية الوزن والقافية في موسيقى الشعر أنّ القدماء من النقّاد يقولون في تعريف الشعر «بأنه كلام موزون مُقَفّی يدلّ على معنى» (قدامة بن جعفر، ص3). ان البحر الشعري يتكوّن من وحدات تسمى ب: «التفعيلة» و التفعيلة هذه مكّونة من مقاطع تسمّی ب :«الأسباب والأوتاد و الفواصل» وهذه المقاطع مجموعة من الحروف لا تقلّ عن حرفين. والذي تمتاز به تفعيلة دون أخرى هوعدد السواكن والمتحرّكات من هذه الحروف وكيفيّة ترتيبها. بحور الخليل الستة عشر ليست سوى هذه الحركات والسكنات لكنّ عدد هذه الحركات والسكنات وترتيبها الخاصّ بكلّ بحر هما اللذان أعطيا كلّ بحر ميزته الخاصة به. وقد عُني بعض النقاد بالحديث عن ميزات كل بحر وملائمته بموضوع خاص، فبحر الطويل مثلاً هو أطول بحر بين بحور الشعر العربي وله جلال و روعة و فخامة، ومن ميزات موسيقى هذا البحر انّه ليس له جلبة ورنّة تزاحم المعنى بل انّها مختفية وراء المعنی ( عبدالله الطيب،1/363). ويناسب هذا البحر من الموضوعات ماله معان رفيعة وفخمة. ويمكن القول بأنّ القصائد التي أنشدها حافظ في هذا البحر جميعها ذات طابع الفخامة ولها معان جليلة. وبعبارة أخرى إنّ بحرالطويل الذي استخدمه حافظ لبعض قصائده بحر يلائم موضوعاته تماماً. من بين هذه القصائد نشير إلی قصيدة «اللّغة العربيّة تنعي حظّها بين أهلها» التي يردّ فيها حافظ على مهاجمي اللغة العربية وينبّههم على قدرة هذه اللّغة وما فيها من بهاء وقوّة، يقول حافظ على لسان اللّغة: وسعتُ كتـاب الله لفظاً و غـاية وما ضقتُ عن آي به وعـظات فكيف أضيق إلیوم عن وصف آلة و تنسيق أسمـاء لمـخترعـات أنا البـحر في أحشائه الـدرّ كامن فهل سألوا الغوّاص عن صـدفاتي (الديوان، 1/254) فاللّغة العربيّة اكتسبت عظمتها من القرآن الكريم لانّها تمكنت من أن تصبح قالبا مناسباً له ولم تضق عن بيان آياتة و مواعظه، وهي تشبه البحر في عظمته وهيبته وقيمته لما فيه من الدر رالثمينة. و لا شكّ أنّ هذه المعاني تحتاج إلی قالب ملائم لها، الأمر الذي استطاع حافظ من خلال اختياره للوزن المناسب أن يقوم به خير قيام ويواصل حافظ قصيدته ويتكلّم على لسان هذه اللّغة كلاماً يوحي بالاعتزاز والكبرياء: فإمّا حياة تبعث الميت في البلى وتُنبت في تلك الرموس رُفاتي و إمّا مـمات لا قيامة بـعده ممات لعمري لم يقس بممات (نفسه،1/255) و قصيدة أخرى عنوانها: «عيد تأسيس الدولة العلّيّة» يصف فيها السلاطين العثمانيين بالقدرة والعظمة: إذا ضاءت الأحساب يوما لمعرق فعثمان خـير الفـاتحين لهم أب فهذا سليما ن و قانون عـدله على صفحات الدهر بالتبر يكتب وذاك الذي أجرى السفين على الثرى وسار له في البّر والبحر مركب عـلى بـابه العإلی هناك تألّقت سـطور لأقلام الجلالة تُنسب (نفسه، 2/17) في هذه الأبيات يصف الشاعر العثمانيين بالعراقة و الأصالة و الجلالة ويشير الى القانون الذي وُضع في عهد سليمان (السلطان العاشر من السلاطين العثمانيين) والذي يُعدّ قانوناً عادلاً يحسب من مفاخر الدولة . وقد استمدّ حافظ في نقل هذه المعاني الفخمة والرفيعة إلى متلقّي قصيدته بالموسيقى الملائمة لها حيث اختار بحر الطويل، لكنّ قدرة حافظ الموسيقية هنا لاتنحصر في استخدام بحر الطويل فقط، بل الكلمات التي اختارها حافظ في هذه الأبيات كلمات ذات معان جليلة و رفيعة تأخذ بيد الموسيقى وتُضفي عليها قوّة ساحرة تأخذ الألباب، فكلمات: «معرق والعإلی والجلالة» التي جاءت في هذه الأبيات ساعدت الموسيقى ورفعت من شأنها. وهنا نفهم جيداً مدى وحدانية أجزاء الشعر؛ فالمحتوى والشكل بموسيقاه وصوره البيانية الأخرى، كلّها أجزاء متكاملة للشعر لايمكن تجزئتها. فكما أنّ المعنى يحتاج إلى الصور البيانية والخيال والعاطفة والموسيقى فالموسيقى أيضا تحتاج إلى المعاني المناسبة ليكون تأثيرها على المتلقّي أكثر وأقوى. و من الموضوعات التي أولع حافظ باختيار بحر الطويل لها هوالرثاء؛ فكثير من مراثيه خاصّة تلك المراثي التي نبعت من وجدانه الصادق و عاطفته الحزينة كرثاثه لرياض باشا وجرجي زيدان ومصطفى كامل أُنشدت في هذا البحر السامي والرفيع. نقرأ هنا بعضا من أبيات لقصيدة رثى بها الشيخ محمد عبده ونعلم أنّ للشيخ دوراً هاماً في تكوين حياة الشاعر الاجتماعية (زاهية قدورة، ص371-379): زرعْت لنا زَرعاً فأخـرجَ شَطأَه وبنـتَ و لمّا تجتنِ الثمراتِ مَدَدنَا الى الأعـلامِ بعَدك راحَنـا فَرُدَّت إلی أعْطَافِنا صَفِراتِ لَقدْ كُنتَ فيهم كوكباً في غَياهبٍ و معرفة في أنفسٍ نَـكِرات (الديوان،2/145) فالشاعر في هذه القصيدة يشير إلى عظمة الشيخ وماقام به من المآثر الّتي انتهت بوفاته، فهو كوكب طلع على المجتمع ليزيل الغياهب التي تمنع الناس من رؤية الحقيقة. فبحر الطويل هنا ساعد كثيرا على تأثير القصيدة على المخاطب لأنّه ملائم تماماً بموضوع القصيدة الذي يتطلّب إطاراً فخماً وقويّاً ويقول في قصيدة أخرى يرثي فيها مصطفى كامل باشا زعيم النهضة الوطنيّة بمصر: ومات الّذي أحيا الشعور وساقه إلى المجد فاستحيا النفوس البوإليا شهيد العلا لا زال صوتك بيننا يرنّ كما قد كان بالأمس داويا يهيب بنا: لا تشعروا الناس أنّني قضيت و أنّ الحيّ قد بات خإليا ثلاثون عـاما بـل ثلاثون درّة بجيد الليإلی ساطعات زواهيا ستشهد في التاريخ أنّك لم تكن فتىً مفرداً بل كنت جيشاً مغازيا (نفسه،2/149) فاستخدام البحر الطويل هنا يدلّ على الذوق الموسيقيّ الرفيع عند هذا الشاعر إذ تمكّن من القيام باختيار البحر الملائم لهذه المعاني الرفيعة الّتي توجد في القصيدة. وبحر آخر يعتبر من البحور الفخمة هو بحر البسيط لكنّ الفرق بينه وبين الطويل هو أنّ الموسيقى في بحر الطويل أعدل مزاجاً من البسيط والبسيط - لما فيه بقيّة من تفعيلات الرجز«مستفعلن» - بقي فيه نوع من الدندنة التي لايمكن لها أن تختفي وراء الكلام (عبدالله الطيّب، 1/414). فهذا البحر يلائم من الموضوعات ما فيه الفخامة والقوّة مع العنف أو اللّين. وحافظ ابراهيم قام باختيار هذا البحر لموضوعاته الشعرية خير قيام؛ ففي قصيدة« سورية ومصر» يصف الشاعر هذين الشعبين بالعظمة و المجد وأنّهما ركنان لدول الشرق، تبدأ القصيدة هكذا: لمصر أم لـربوع الشـام تنتسب هنا العلا وهناك المجد والحسب ركنان للشرق لا زالت ربوعهما قلب الهلال عليها خافق يجب ويشير إلى الوداد والصداقة الموجودين بين الشعبين ويتحدّث عن التعاضد والتعاطف بينهما: إذا ألمّـت بوداي النيل نـازلة باتت لها راسيات الشام تضـطرب وإنْ دعا في ثرى الأهرام ذو ألم أجـابَه في ذرا لـبنانَ منتـحبُ نسيم لبنان كم جادتك عاطرهٌ من الرياض و كم حيّاك منسكبُ في الـشرق أنـفاس مسعرّة تهفو إليـك و أكـباد بها لهبُ (الديوان، 1/268) فاختيار البسيط هنا أحسن اختيار إذ تمكّن الشاعر من خلاله أن يُسمع المتلقي الجلال والقدرة عند الشعبين وينسب إليهما العلا والمجد والحسب وأنّهما ركنان للشرق جميعاً،أضف إلى ذلك أنّه شفّع هذه القدرة والمجد بالشدّة الممزوجة بنوع من العنف حيث يقول: بأرض كولمب َأبطال غطارفة أسد جياع إذا ما وُوثـبوا وَثـبوا (نفسه، 1/270) وقصيدة أخرى أنشدها حافظ في هذا البحر هي قصيدة حثّ فيها على معاضدة مشروع الجامعة؛ يتحدث الشاعر فيها عن العزّ والتغلب والوصول إلى المعإلی من خلال نشر العلم والأدب ويقول: حيّاكم الله أحيوا العلـم والأدبا إن تنشروا العلم ينشر فيكم العربا و لا حيـاة لكـم إلّا بجامعة تكون أمّا لـطلاب العلى و أبا تبنى الرجـال و تبنى كلّ شاهقة من المعإلی و تبنى الـعزّ والغلبا ضعوا القلوب أساساً لا أقول لكم ضعوا النضار فإنّي أُصغر الذهبا (نفسه، 1/272) ومن البحور التي شغف بها حافظ هو بحرالخفيف، البحر الذي يقول عنه حازم القرطاجني في كتابه القيم بأنّه بحر فيه جزالة ورشاقة (ص269). فيمكن القول بأن هذه الجزالة والرشاقة هما الذريعتان الرئيستان اللتان جعلتا حافظا ينشركثيراً من قصائده الاجتماعية التي قالها في المناسبات في هذا البحر، لتساعده هذه الجزالة والرشاقة على إلقائه للقصائد بشكل يؤثر على السامعين، على أنّ هذا البحر يناسب من الأشعار ما فيه العاطفة المتّزنة المضبوطة (محمدالنويهي، ص61). والعاطفة في أكثر القصائد الّتي قالها حافظ للمناسبات متّزنة ومضبوطة. نشير ألى قصيدتين أولاهما «حريق ميت غمر» و الثانية «ملجأ رعاية الأطفال» يبدأ هذه الثانية بقوله: صفحة البرق أومضت في الغمام أم شهاب يشقّ جوف الظلام (الديوان، 1/283) ويصف القطار في حوإلی عشرين بيتاً ثمّ يشير إلى رجل سقط من القطار في النهرلكنّه ينجو بسبب أعماله الخيريّة ورعايته للفقراء والمساكين. ويواصل قصيدته: لم أقف موقـفي لأنشد شعـرا صُبّ في قالب بـديع النظام إنّما قمـت فيه والـنفس نشوى من كؤوس الهموم والقلب دامي ذقت طعم الأسى وكابدت عيشا دون شربي قذاه شُـرب الحِمام (نفسه، 1/287) في هذه القصيده الّتي أنشدها حافظ في حفل أقامته جمعية رعاية الأطفال عاطفة انبعثت من تلك النفسيّة التي عهدناها عند هذا الشاعر الذي يُدعى شاعر الشعب لكن العاطفة هذه ليست مطلقة العنان،أو – قل – ليست منبعثة من لا وعي الشاعر إنّما هي محدّدة بالحدود التي وضعها لها بوعيه. وكأنّ الشاعر عرف هو الآخر أنّ العاطفة في هذه القصيده، ليست جيّاشة تذهب به إلى حيث تشاء فعمد إلى أن يصرّح بأنّ القصيدة نبعت من نفس نشوى من كؤوس الهموم والقلب الدامي. ومعنى هذا الأمر أن هذه العاطفة مضبوطة ومحدّدة و هو واع ما يقول. وسبب هذا الضبط والتحديد في العاطفة هو أنّ القصيدة قصّة سردها الشاعر،وهذه السرديّة هي من ميزات بحر الخفيف الّذي يقرّب – على حدّ قول سليمان البستاني – الكلام المنظوم فيه من الكلام المنثور (غازي يموت،ص95). وقد مرّ بنا أنّ القصيدة تدور حول قصّة رجل سقط من القطار لكنّه نجا بسبب أعماله الخيريّة. أمّا قصيدة: «حريق ميت غمر» فهي أيضاً قصيدة سرديّة يتحدّث الشاعر فيها عن الحريق الذي حدث في هذه المدينة ممّا أدى إلى الهلاك والدمار ويستحثّ الناس على مساعدة المصابين: سائلوا الليل عنهمُ و النـهارا كيف باتت نساؤهم والعذارى كيف أمسى رضيعهم فقد الأمّ وكيـف اصطلى مع القوم نارا أشعلت فحمة الدياجي فباتت تملأ الأرض والسـماء سـرارا غشيتهم والنحس يجري يمـينا ورمتهـم والبؤس يجري يسارا (الديوان، 1/250) فكأنّ الشاعر من خلال هذا البحر يجد نفسه قريباً من المتلقّين،إذ استطاع - بسب قرب الخفيف من النثر- أن يجتاز عائق الوزن الّذي ربّما يمنع الشاعر من الصدق في العاطفة والكلام، وبالتإلی القرب من المخاطبين . و هكذا فإنّ بحر الخفيف جواد طيّع يسهّل للشاعر أن يسلك مسالك المعاني وينحو به مناحي لايمكن اجتيازها بالبحور الأخرى.
ب- الموسيقى الداخليّة (الهادئة) الموسيقى الخار جية – كمار أينا – هي التي ترتبط بالإطار الكلّي للبيت، لكن الموسيقى الظاهرة لا تنحصر في هذا النوع فقط، بل تشمل أيضاً الموسيقى التي تنبع من التوافق والتماثل الصوتي (حسني عبدالجليل يوسف، 14،1) وجرس الألفاظ وكذلك موسيقى المصوتات وطريقة تآلفها مع الصوامت (محمد زكي العشماوي، 309ص). و بعبارة أخرى يمكن أن نحدّد الموسيقى الداخلية بأنّها كلّ موسيقى ظاهرة سوى موسيقى الوزن والقافية، ومن هنا نعرف ما للمحسّنات البديعية اللفظيّة من دور في هذه الموسيقى. و كان لحافظ ابراهيم في هذا الميدان باع طويل؛ فكما مرّ بنا فإنّ النزعة الخطابيّة قد غلبت على شعره وهو ينشد كثيراً من قصائده في الحفلات التي أقيمت لأجل المناسبات المختلفة، واستخدام الألفاظ القوية ذات الجرس يساعده على إلقائه والتفات الأنظار إليه (عبدالمحسن طه بدر، ص276). أمّا المحور الأساسي لهذه الموسيقى فهو التكرار سواء في الحروف أو الكلمات أو العبارات، والمحسّنات اللفظيّة بأنواعها نوع من التكرار؛ فعندما نستمع إلى هذا البيت من قصيدة لحافظ عنوانها إلى الأرض: ألبسوك الدماء فوق الدماء و أروك العداء بعد العداء (الديوان، 1/252) نرى أن تكرار كلمتي«الدماء» و«العداء» أعطى للبيت موسيقى خاصّة يهدف الشاعر بهذا التكرارالتنبيه على كثرة الحروب وسفك الدماء وعدوان الناس فيما بينهم فكأنّ الشاعر يريد أن يقول بأنّ الكرة الأرضية كلّها حرب وعدوان وسفك دماء. ويقول في قصيدة يتحدث فيها عن اللغة العربية: أرى لرجال الغرب عزّاً ومنعة و كم عزّ أقوام بعزّ لغات (نفسه، 1/254) كلمة «العزّ» ذات موسيقى قويّة و فخمة والسرّ في ذلك أنّ حرف العين من الحروف البطيئة النطق وتشديد الزاي يزيد من بطئها وشدّتها، فأصحبت الكلمة رصينة و قوية وفخمة بحيت توحي – من خلال جرسها و موسيقاها – إلى معناها المعجمي، غير أنّ الشاعر لم يكتف بهذا المقدار بل كرّر هذه الكلمة أو مايشتّق منها ثلاث مرّات. ومن هذه الموسيقى أيضاً تكرار الحروف الخاصة التي لها صفات خاصة بها فلكلّ حرف صفات خاصة تمتاز بها من سائر الحروف، فمثلاً إنّ حرف العين من الحروف البطيئة النطق وحرف الطاء و الغين من الحروف المستعلية التي يجب عند النطق بها أن يعلو اللسان إلی الحنك الأعلى ليخرج صوت الحرف من أعلى الفم (صبحي الصالح،ص 282). وعلى هذا الأساس نقرأ معاً هذا البيت لشاعرنا: لولا طلاب العلا لم يبتغوا بدلاً من طيب ريّاك لكنّ العلا تعب (الديوان، 1/269) تكرّر حرف العين في هذا البيت ثلاث مرّات وهذا التكرار أدّى إلى شيء من الصعوبة في النطق خاصّة القسم الأخير من البيت «لكنّ العلا تعب» وقد زاد من هذه الصعوبة حرفا الطاء والغين، فكأنّ الشاعر يريد أن يصوّر صعوبة الوصول إلى العُلا حتى في نطقه. نماذج هذه الموسيقى في شعر حافظ كثيرة نكتفي بنموذجين آخرين فقط الأوّل في قصيدة عنوانها «جمعيّة الطّفل»، يقول عند حديثه عن رجال الإسعاف: و رجال الإسعاف أنبل – لولا شهوة الحرب – من رجال القتال كم جريح لولاهم مـات نزفا في يـد الجهل أو يـد الإ همال (نفسه، 1/312) يشيد حافظ في هذه الأبيات بدور الأطبّاء ورجال الإسعاف الذين يقومون بمساعدة المرضى ونقلهم إلى المستشفى، وفي البيت الأخير تجذبنا الموسيقى المنبعثة من حروف الصفير؛ فتكرارالصاد في كلمات «صريع، صدمة، صريع، الأوصال» وحرف السين في كلمة «سموم» كلّ هذا جعل البيت يصفّر عند إنشاده، فكأنّ هناك سيّارة إسعاف تصفّر عند حمل المريض و نقله إلی الطبيب، و هكذا استطاع الشاعر من خلال هذه الموسيقى الساحرة أن ينقل المعنى إلينا في قالب مشهد حسّي رائع يبقى في الذهن مدّة من الزمن. وثاني هذين النموذجين هو بيت شعر من قصيدة «غلاء الأسعار» يتحدّث فيها الشاعر عن الأزمة الاقتصاديّة وضيق العيش بالناس،ويصف الفقراء هكذا: إن أصاب الرغيف من بعد كدّ صاح: من لي بأن أصيب الإداما (نفسه، 1/316) صفير حرف الصاد المكرّرهنا يحاكي صوت الفقير المتسوّل الّذي يصرخ في وجه الأغنياء ويطلب منهم بإصرار أن يزوّدوه بشيء من الإدام يتناوله مع الرغيف الّذي حصل عليه من قبل. وهكذا فلتكرار الحروف الخاصّة الّتي لها مسحة من الموسيقى دور هامّ في الموسيقى الداخليّة والّذي خرج منه حافظ ابراهيم بالنصيب الأوفر. ومن هذه الموسيقى «جرس الألفاظ» وهي الّتي تأتي من خلال تناسق الحروف وانسجامها مع بعض. يقول حافظ ابراهيم في قصيدة يعالج فيها العيوب الاجتماعية و يتحدّث عن تشتّت الآراء بين الأحزاب المختلفة، يقول عن الصحافه: و صحف تطنّ طنين الذباب وأخرى تشنّ عن الأقرب (نفسه، 1/256) يشبّه الشاعر هذا الجدال المتواصل غير المجدي بطنين الذباب على سبيل السخرّية، و طنين الذباب عادة متواصل لا ينقطع لا نصيب منه للانسان سوى الإزعاج، شأنه شأن موسيقى كلمتي «تطنّ وطنين» حيث تطنطن عند النطق بهما فأنت إذا تكرّرت مثلاً كلمة «تطنّ» ومددت حرف النون لوجدت أنّ الغنّة الّتي تخرج من الخيشوم عند نطقه توحي إلى موسيقى تناسب طنطنة الذباب. ومثال آخر هو بيت من قصيدة«سورية ومصر» أنشدها في حفل أقامته له جماعة من السوريين، يقول حافظ: هذي يدي عن بني مصر تصافحكم فصافحوها تصافح نفسها العرب (نفسه، 1/271) موسيقى مشتقات كلمة «المصافحة» توحي إلى الاستواء والانبساط،فكأنّ حافظاً أراد من تكرار مشتقات هذا اللفظ «تصافحكم – صافحوها - تصافح» أن يقرّب الشعبين المصريّ والسوريّ إلى بعضهما ويسوّي بينهما ويطلب منهما أن يعيشا معاً في سلم وأمن وسكينة كما توجد هذه السكينة والهدوء في موسيقى هذه الكلمات أيضاً. ومن الأمور التي لها دور في الموسيقى الداخلية هي المصوتات(vowels) التّي عالجها النقّاد وأعطوها دوراً هامّاً في موسيقى الشعر(إبراهيم أنيس، 83). والمصوّت هو صوت ننطق بإخراج كميّة من الهواء من الرئتين دون أن يصادف في طريقه عائقا في جهاز النطق و هو إمّا قصير و هو الضمة والفتحة والكسرة و إمّا طويل وهو حروف المدّ (ا، وْ، يْ) (اميل يعقوب و...،253) ونعني به هنا الأخير. و السرّ في موسيقيّة المصوتات هو أنّ حرف المدّ أطول – من حيث الامتداد الزمني – من الصوامت، لأنّ حرف المدّ يساوي حرفين: متحرك وساكن (سيدالبحراوي، 52). وهذا الامتداد هو الذي جعل للمصوّت حالة الثبات والجمود في حين أنّ الصوامت تلهم التغيير والحركة (صبحي البستاني، 52) ويدخل هذا النوع من الموسيقى في إطار الموسيقي الداخلية لأنّ وزن الشعر (الموسيقى الخارجية) لايختلف باختلاف نوع الحروف من حيث الصوامت والمصوتات؛ فوزن كلمات «سالمٌ وصحّه وبندق» كلّها «فاعلن» لكن الزمن الذي يستغرق أداء كلمه «سالم» هو أطول من الزمن الذي تستغرقه الأخيرتان. فمثلاً عندما نسمع هذا البيت: وعقولاً لولا التخاذل أبطا لا إذا ما هم استقلّوا إلیراعا (الديوان، 1/260) نحسّ فيه نوعاً من الجمود وعدم الحركة وذلك من خلال وجود ثمانية مصوتات طويلة. وقدنجح حافظ في اختيار هذه الموسيقى حيث استطاع أن يجعل بينها وبين معنى البيت ملائمة تامّة؛ لأنّ الشاعر يتحدّث في هذا البيت عن التواكل والتخاذل والخمول السائدة في البلدان الشرقية آنذاك. أمّا إذا استمعنا إلی هذا البيت الذي يصف فيه الشاعر سرعة القطار فنحسّ فيه الحركة والسرعة الملائمتين لسرعة القطار، يقول: مرّكا للّمح لم تكد تقف العيشش ن على ظلّ جرمه لمترامي (نفسه، 1/283) إذ لا نجدفي هذا البيت سوى ثلاثة مصوتات طويلة. فالمقارنة بين البيتين تجعلنا نعتقد أنّ الموسيقى الداخليّة في إطار الموسيقى الخارجيّة لها أثر كبير في امتياز موسيقى الأبيات المختلفة في بحر واحد. ولكي نقف أكثر على هذا الأمر نقرأ معاً بيتين آخرين من قصيدة واحدة عنوانها «مدرسة البنات ببور سعيد» : 1- كم ذا يكابد عاشق وُيلاقي في حبّ مصر كثيرة العشّاق 2- إنّي لتطربني الخلال كـريمة طرب الغريب بأوبة و تلاقي (نفسه، 1/279) النظر إلی المصراعين الأولين لهذين البيتين يدلّنا علی أهّميّة هذه الموسيقى بعد الموسيقى الخارجية المتمثّلة في الوزن الشعريّ؛ فكلا البيتين من بحر شعري واحد، أمّا الذي يمتاز به الأوّلّ من الثاني فليس سوى كميّة المصوتات فيهما؛ ففي المصراع الأوّل من البيت الأوّل تزيد كثرة المصوّتات من حالة الجمود فكأنّها تصوّر تلك المتاعب التي يلاقيها عاشق مصر. أما المصراع الأوّل في البيت الثاني فليس فيه سوى ثلاثة مصوتات، الأمر الذي أدّى إلى الحركة والنّشاط (جابر عصفور، ص317). ويكفي أن تقرأ كلمة «لتطربني» لتجد هذه الحركات المتوإلیة كيف ساعدت في خلق هذه الموسيقى، واذا نظرنا إلی البيتين ثانية نرى مدى التوافق الموجود بين الموسيقى وبين المعنى فكلّما كثرت المصوتات كثر الثبات وقلّت الحركة وكلما قلّت المصوتات كثرت الحركة وقلّ الثبات في الموسيقى: شبحاً أرى أم ذاك طيف خيال لا بل فتاة بالعراء حيإلی (الديوان، 1/275) في هذا البيت عشرة مصوتات تؤدّي إلى الثبات وتُقلّ من الحركة ليعرب الشاعر - بهذا- عن عاطفته الحزينة حيال هذه المرأة البائسة الّتي كان لها تأثير كبير في نفسيّة الشاعرحتّى جعله لا يصدّق ما رآه فلهذا يتصوّرها شبحاً وخيالاً، فكأنّ الشاعربهذه المصوتات ارتبك لسانه لا يقدر أن يتحرّك كأنّه يتأوّه ممّا رآه في هذا المشهد بهذه الألفات. فالموسيقى الداخلية – كما يقول الدكتورعزالدين اسماعيل – تحدد الدلالة الموسيقية الخارجية الحاصلة من الوزن ( ص54).
2- الموسيقى الخفيّة إنّ الموسيقى الخفيّة – كما يبدو من تسميتها – موسيقى خفيّة غيرمسموعة لا تؤثّر على الحواس مباشرة بل إنّ تأثيرها يبدأ من الفكر و الوجدان ثم ينعكس على الحواسّ (محمدمصطفى هدارة، ص 106). فلهذا لايمكن لمن لايعرف معنى الشعر أن يتذوّق موسيقاه الخفيّة. بناء على هذا فيمكن تحديد هذه الموسيقى في المحسّنات البديعيّة المعنويّة مثل التّورية والطّباق والتّضاد واللّفّ والنّشر و غيرها من الأمور الداخلة تحت المحسّنات البديعيّة المعنويّه. أمّا السّرّ في موسيقيّة هذه المحسّنات فهو الترابط الموجود بين مفاهيم الكلمات ومعانيها في البيت(شفيعي كدكني، ص307). و هذا الترابط إمّا في صورة التناسب في المعنى وإمّا في صورة التّضاد والتّقابل فمثلا عندما نستمع إلى هذا البيت: لا نحن موتى ولا الأحياء تُشبهنا كأنّنا فيك لم نشهد ولم نغب (الديوان، 1/267) نرى فيه طباقين أحدهما بين كلمتي «موتى والأحياء» وثانيهما بين كلمتي «نشهد ونغب»، والموسيقى الموجودة في هذا البيت لا يسمعها الانسان بل يتذوّقها بعد فهم المعنى، فيتبيّن له أنّ هناك نوعاً من التقابل بين هذه الكلمات. و مصدر هذا الأمر هو أنّ فهم الكلمات ذات الأضداد يرتبط بفهم أضدادها في أكثر الأحيان، فعند ما يرى الانسان كلمة « الموتی» يخطر بباله كلمة «الأحياء» لأنّ فهم معنى الأولى يتوقف على الثانية،فإذا رأى كلمة «الأحياء» بجانب «الموتى» يسرّه ذلك لأنّه يخطربباله قبل أن يراه بالفعل، وعمليّة التأرجح هذه بين المعنيين تؤدّي إلى الامتداد الموسيقّيّ. أمّا شاعرنا فنرى عنده من هذه الموسيقى شيئاً غيرقليل قد جعلته في بعض الأحيان متكلّفاً فيها مثل هذا البيت الذي يتحدّث فيه عمّا قيل في الحفل الذي أقامته مدرسة مصطفى كامل: فأضحى لآمالنا منعشا و أمسى لآلامنا مرقدا (نفسه،1/261) فكأنّ همّه هو ترصيف الكلمات بعضها الى جانب البعض حيث قابل بين كلّ من «أضحى وأمسى» و «منعش ومرقد». وبين «آمال وآلام». وهذا الأمر يرجع إلى ما ذُكر آنفاً من أنّ الشاعر يُنشد كثيرا من قصائده في الحفلات التي كانت تقام لأجل موضوع اجتماعي في مجتمعه آنذاك، فلهذا فإنّه يحتاج كثيراً إلى موسيقى تعينه في إلقائه وتأثيره على المستمعين. لنقرأ معاً بعضاً من الأبيات ذات الدلالات الموسيقيّة الخفيّة: فاتّقوا الأرض والسّماء سواء واتّقوا النّار في الثّرى والفضاء (نفسه،1/253) لقد كان خصْباً بجدب الزمان فأجدب في الزمن المخصب (نفسه،1/259) فمـا سمونا إلى نجد نحاولـه إلّا هبطنا إلى غور من العطب (نفسه،1/267) وفهمتم معنى الحياة فأرصد تُـم عليها لكلّ نقص كمالا و حرصتم على العقول فحرّمتم عصيراً يراه قوم حلالا ... قد تحدّيتـم المنيّة حتـّى همّ أن يغلب البقاء الزوالا (نفسه،1/312) بناء على هذا فإنّ عدداً كبيرا من مواقع الموسيقى الخفيّة في شعر حافظ يكمن في التضادّ والطّباق وهناك محسنات لفظية أخرى كمراعات النظير واللفّ والنشر جعلها حافظ مَركباً لهذه الموسيقى في شعره نحيل القارئ إلى ديوانه. لكنّ الذي يجب أن نلاحظه هو أنّ الشاعر لم يستطع في مجال هذه الموسيقى أن يصل إلى ما وصل إليه في الموسيقى الظاهرة.
نتائج البحث بعد هذا السفَر الموسيقيّ مع شاعر يهتمّ بالموسيقى في شعره يمكن أن نستخلص معطيات هذا السفر في الأمور التإلية: - إنّ حافظ إبراهيم من الشعراء الذين يؤثرون الشكل على المضمون المبنى على والمعنى فلهذا فقد اهتمّ كثيراً باختيار الألفاظ ذات الدلالات الموسيقيّة في شعره خاصّة الشعر الاجتماعي. - من الواضح لدارسي شعر حافظ أنّه شاعر الشعب وينشد كثيراً من قصائده في الحفلات الّتي أقيمت آنذاك في المناسبات الاجتماعيّة المختلفة الأمر الّذي جعله يهتمّ بالموسيقى في شعره لأنّ للموسيقى دوراً هامّاً في الإلقاء . - إختيار الأوزان المناسبة هو أحد العناصر الموسيقيّة في شعر حافظ إبراهيم فقد استخدم في كثيرمن قصائده بحوراً شعريّة ملائمة للمعنى وهو يعرف جيّداً الفرق بين البحور ذات الدلالات الموسيقيّة الفخمة و الرقيقة و بين البطيئة والسريعة. - كان حافظ صاحب حسّ مرهف في اختيار كلماته و ترصيف بعضها إلى جانب البعض فلجرس الألفاظ دور بارز في الموسيقى كما للمصوتات وتوزيعها بين الصوامت مساهمة بيّنة في حركة الموسيقى حيث تزداد الموسيقى سرعة إذا قلّ عدد المصوتات وتقلّ سرعتها إذا ازداد عددها. - الموسيقى الخفيّة هي الّتي لا يسمعها الإنسان بأذنه بل تؤثّرعلى الفكر والوجدان لأنّها ترابط بين مفاهيم الكلمات ومعانيها وهي كثيرة في شعر حافظ إبراهيم من خلال المحسنات المعنويّة خاصّة التضاد والطباق.
المصادر - اسماعيل،عزالدين:الشعرالعربي قضاياه وظواهره الفنية والمعنوية،بيروت، مطبعة دارالعودة،، الطبعة الخامسة، 1988م. - امين،احمد والزين، احمد والإبياري، إبراهيم:شرح ديوان حافظ ابراهيم،بيروت، مطبعة دار الجيل،؟. - أنيس،إيراهيم:عناصر الموسيقى في الشعر العربي،مجلّة الشعر،العدد الثاني،أبريل1976. - البحراوي،سيد:موسيقى الشعرعند شعراء ابوللو، القاهرة، مطبعة دار المعارف، القاهرة، الطبعةالثانية،،1991م. - البستاني،صبحي:الصورةالشعرية في الكتابةالفنية،بيروت، مطبعة دارالفكر، الطبعة الاولى،؟. - خفاجي،محمد عبدالمنعم:الادب العربي الحديث، القاهرة، مطبعة مكتبةالكليات الازهرية، القاهرة،1985م. - الزوزني،أبو عبدالله الحسين:شرح المعلّقات السبع،بيروت،مكتبة المعارف،1988م. - شفيعي كدكني،محمد رضا:موسيقي شعر،تهران،مؤسسه نشر آﮔه،ﭼاپ هفتم،1381ش. - الصالح،صبحي:دراسات في فقه اللغة، بيروت، مطبعة دارالعلم للملايين الطبعةالتاسعة، ؟. - ضيف،شوقي:فصول في الشعر ونقده، القاهرة، مطبعة دار المعارف، الطبعة الثانية،؟. - طه بدر،عبدالمحسن:التطوروالتجديدفي الشعرالمصري الحديث، القاهرة مطبعةالهيئةالمصريةالعامة للكتاب،1991م. - الطيب المجذوب،عبدالله:المرشد الى فهم اشعار العرب وصناعتها، مطبعة الحلبي واولاده،الطبعة الاولى، 1955م - عبدالجليل يوسف،حسني:موسيقى الشعرالعربي،مطبعة الهيئةالمصريةالعامة للكتاب،1989م - العشماوي،محمدزكي:قضاياالنقدالادبي بين القديم والجديد، الاسكندرية مطبعة دارالمعرفة الجامعية،؟. - عصفور،جابر:مفهوم الشعر،مطبعة الهيئة المصريّة العامّة للكتاب،1995م. - الفاخوري،حنّا:الموجز في الادب العربي وتاريخه،بيروت،دار الجيل،الطبعة الثانية،1991م. - قدامة،بن جعفر:نقد الشعر،تحقيق محمد عبد المنعم خفاجي،بيروت،دار الكتب العلميّة،؟. - قدورة،زاهية:تاريخ العرب الحديث،بيروت،مطبعة دار النهضة العربيّة،1985م. - القرطاجني،حازم:منهاج البلغاء،وسراج الأدباء،بيروت،دار الغرب الإسلامي، 1981م. - قطب،سيّد:النّقد الأدبيّ أصوله و مناهجه،دار الفكر العربي،1960م. - سند الجندي،عبد الحميد: حافظ إبرا هيم شاعر النيل،القاهرة،مطبعة دار المعارف،؟. - النويهي،محمد:قضية الشعر الجديد،بيروت، مطبعة دارالفكر،الطبعة الثانية، 1971م. - هدارة،محمدمصطفى:في النقد الحديث،؟،1990م. - يعقوب،اميل وبركة،بسام وشيخان،مي:قاموس المصطلحات اللغوية والادبية، بيروت، مطعبةدارالعلم للملايين، الطبعةالاولى،،1987م. - يموت،غازي:بحور الشعر العربيّ،بيروت،مطبعة دار الفكر اللبناني،الطبعة الثانية، 1992م.
موسيقي در شعر اجتماعي نزد حافظ ابراهيم
دكتر ابراهيم زارعي فر
خلاصه فارسى موسيقى يكى ازمهمترين عناصرتشكيل دهنده شعراست؛ براين اساس، بسيارى ازشاعران به انتخاب وزن و واژه هاى آهنگين اهتمام ويژه اى ورزيدهاند. حافظ ابراهيم از جمله شاعرانى است كه به اين امر نگاهى ويژه دارد. دراين مقاله به بررسى موسيقى شعر اجتماعى اين شاعر معاصر پرداخته شده وموسيقى ظاهرى(شنيدارى) و معنوى آن مورد بررسى قرار گرفته است. اين شاعر درانتخاب اوزان شعرى هماهنگ با موضوع موفق است، واز واژه هاى آهنگين مناسب با محتواى شعر خودنيزبه نيكى بهره برده است. او همچنين در موسيقى معنوى كه از آرايههاى معنوى حاصل مىشود، موفق است.
كليد واژه ها: حافظ ابراهيم، موسيقى بيرونى، موسيقى درونى، موسيقى معنوى. ----------------------------
أسطورة تموز عند رواد الشعر الحديث في سورية و العراق
الدكتور شهريار نيازي[1] عبداللّه حسيني[2] الملخص كان تموز يعتبر إله الخصب و البعث عند مختلف الشعوب القديمة التي استقرت في مابين النهرين. و يبدو يبدوجليا أن الشاعر العربي المعاصر يسعي للاحياء بدلالات من خلال مقتل تموز و لذلك فهويبعث الطاقة الاخصابية المتمثلة في عناصر عدة مثل المطر التموزي والسحابة و الغابة. و يری الشاعر العراقي والسوري أن ما يدعي حول فكرة إنبعاث تموز أوالفنيق أوالعنقاء بصفتها رموزاً تدل علي و لوجالانسان العربي مرحلة جديدة من النضال القومي و الإرادة عبرت به إلی عهدالحرية و تطورالمجتمع، إذن وجد الشعراء العرب المعاصرون من دلالات الخصب و البعث، مجالا للتعبير عن مأساة وطنهم خاصة والانسان المعاصر عامة، فيما يتعرض له من ظلم و اضطهاد و تشريد و ما يعانيه علي أيدي المحتلين من نفي و عذاب في أصقاع الأرض، لذلك كانت شخصية تموز و ما يدور في فلك حياته و درب آلامه معينا للشعر يوظفه للدلالة علي أزمة الشاعر الوجودية الخانقة و علي مأساة شعبه. و تحاول هذه الدراسة أن تكشف عن جوانب أسطورة تموز في الشعر العربي الحديث في سورية و العراق. ثم تتوجه الدراسة إلي بيان نقطة التقاء هؤلاءالشعراء في تصوير العالم العربي المعاصر «أرضا خرابا» ماتت فيه القيم الإنسانية و معالم الحضارة و امتداداً لمنهج الدراسة و اعتمادها علي قراءة النصوص الشعرية و تأويل دلالاتها ندرك أن المصدر الأساسي لتموزية هؤلاء الشعراء قصيدة «الأرض اليباب» لإليوت التي ستتكامل في تموزية السياب و في قصيدته التموزية «أنشودة المطر» (1954).
الكلمات الدليلية: الرمز، الأسطورة، تموز، الشعراء، النضال القومي التمهيد من أبرز الظواهر الفنية التي تلفت النظر في تجربة الشعر الجديدة، الإکثار من استخدام الرمز و الأسطورة أداة للتعبير. و ليس غريباً أن يستخدم الشعراء الرموز و الأساطير في أشعارهم في مختلف العصور، فعلي سبيل المثال إذا نلفت إلي الشعر في الجاهلية، يبدو أنه کان يصحب بالغناء و الموسيقي و بجانب هذا الغناء کان عندهم غناء ديني يرتلونه في أعيادهم الدينية و « ربَّما کان في اسم الدَّاجنة و هي القينة تغني في الدّجن و حين ظهور الغيم في صفحة السماء ما يدلّ علي أنهَّم کانوا إذا عزَّهم المطر و غلبهم الجدب توجَّهوا بالغناء إلي آلهة الغيث و الخصب» (ضيف، 2005: 193) «کما يعد استغلال أسطورة تموز في الشعرالعربي الحديث من أجرأ المواقف الثورية فيه، و أبعدها آثاراً حتي اليوم لأن ذلک استعادة للرموز الوثنية، و استخداماً لها في التعبير عن أوضاع الإنسان العربي في هذا العصر، أضف إلي ذلک أن لهذه الأسطورة جاذبية خاصّة، لأنّها تصل بين الإنسان و الطبيعة و حرکة الفصول و تناوب الخصب و الجدب» (عباس، 1978: 65) ومما لاشك فيه أن شعراء العرب منذ أقدم عصورهم و حتي الان كانوا يعمدون إلي ألفاظ غامضة مبهمة كي يؤول کل منهم ما يسمعه و يواجهه حسب فهمه و ظروفه و من ثم دخل الرمز و الأسطورة في کثير من أقوالهم، إذا يومئون إلي ما يريدون إيماء و قلّما صرّحوا أو وضَّحوا، و في ذلک ما يدلّ علي اعتقادهم في أن هذه الأشياء (أسطورة الخصب و السحاب الداّجن و البحار و... ) بها قوي و أرواحاً خفية و من أجل ذلک يحلفون بها، ليؤکّدوا کلامهم و ليبلغوا ما يريدون من التأثير في نفوس الآخرينبها. و في ظل المواضيع التي تلي في هذا المقال نحاول الإجابة عنالأسئلة التالية، ماهي اسطورة تموز وماضيها التأريخي؟ كيف تبدوهذه الأسطورة في روية أساطين الشعرالحر في العراق و سوريا؟ هل هناك ارتباط بين تصوير العالم العربي الراهن «أرضا خرابا» ماتت فيه القيم الانسانية و الحرية و قصيدة الأرض اليباب» لإليوت؟ أمن الممكن أن نتخذ من بعض وجوه آلهة الخصب و البعث مدلولات ترتبط بقضايا المقاومة و النضال القومي التي كانت شائعة في منطقة الهلال الخصيب؟
الأسطورة و معناها اللغوي و لبيان مدلول کلمة اسطورة و آبدة و خرافة لابدَّ أن نرجع إلي اللغة العربية لا ستکشافها أولا قبل أن يجري عليها مجريات الاصطلاح، فالاسطورة و الجمع، أساطير کلمة معربة للفظ الإغريقي المسمي «ايستوريا istoria» و يقال في اللغة الا نکليزية هيستوريا (history) بمعني التأريخ. (رضايي، 1383: 23). «و أما الخرافة فقد ذهب کثير من المفسرين إلي أنّها اسم رجل من عُذرة استهوته الجن و اختطفته، فلمّا رجع إلي الناس حدّث بما رأي، فعجب الناس من حديثه و کذبوه، فمن ثمّ جري علي لسان الناس قولهم: حديث خرافة» (هلال، 2004: 5) و بقطع النظر عّما قال الکاتب بهذا المقال في الأسطر الأخيرة فإن الذي يرقي إلي التصور من خلال کلامي، أن الأسطوره مرتبطة بکل مقدسة و هذا يرتبط بالإنسان القديم. و إذا لاحظنا هذه الکلمة في اللغة الفارسية، يبدو أنها استخدمت أول مرّة في شعر «خاقاني» حيث يقول: قفل اسطوره ارسطو را بر در أحسن الملل منهيد (خاقاني، 1316: 30) استخدم خاقاني الأسطورة في البيت بمعني کلام واه، مفتعل، و لا أساس له، و فضلاً عن ذلک فقد وردت الکلمة في تسعة مواضع في القرآن الکريم بصيغة الجمع (عبدالباقي،1973: 31) و هي صيغة (أساطير الأولين) ولکن لايّ سبب وردت الکلمة بصورة الجمع؟ حسب رأيي فان استخدامها بصيغة أساطير الأولين کان في سياق اتهام تلک الاخبار بأنها أوهام وأباطيل کاذبة من قبل أعداء الإسلام لما في قوله تعالي: «و قالوا أساطير الأولين اکتتبها فهي تملي عليه بکرة و اصيلا» الفرقان/5 و هذا يعني أنها جاءت بمعني الکتابة الزائفة أوالحکايات و القصص الباطلة، و لذلک قيل معنی التسطير:الاختراع و التزيين و« لکن ينبه قاسم الشواف إلي ضرورة استبدال مصطلح الأسطورة بالميثة أو الميثولوجيا لاختلاط کلمة أسطورة بمعني الخرافة الکاذبة و يشترط لاستخدامها ألا يقصد بها الخرافة الکاذبة (الشواف، 1996:15) والا أن رأي کاتب هذا المقال، جاء خطأ بالنسبة للأعمال الأدبية و لانستطيع إستنتاج أن کل الأساطير هي خرافة بل بعضها يکون واقعا حقيقيا. ومن الواجب أن نجعل نصب أعيننا، أنه لا يمکننا أن نستنتج أن کل الأساطير هي خرافة. بل أن بعضها يتعلق بواقع حقيقي أصلا. و الملاحظ أن أساطير الأولين، معناها أنها سطرها أي كتبها الأولون و سطر يسطر إذا کتب، قال الله تعاﻟﻰ «ن و القلم و ما يسطرون»؛ أي و ما تکتبه الملائکة. و الأسطورة في القرآن کانت متاثرة باللغات السريانية و آلارامية و العبرية و النبطية. و من المحتمل أن نستنتج أن القرآن الكريم و من خلال استخدام الاسطورة و مدلولها يشير إلی أن العرب کانوا في جاهليتهم يعتقدون بأوابد و أساطير و خرافات کسائر الامم (اليونان و الروما و... ) حتي يفسروا وجودهم و وجود أصنامهم، و نشأة حياتهم و دنياهم و تفسير للطبيعة و ما يجهلونه فيها و عرب الجاهلية لا يعرفون لغة و حضارة اليونان و الروما و لا سيما أساطيرها لکن مما لا شک فيه أنهم يعرفون اللغه الآرامية و النبطية لقرابة لغتهم بها. و إذا أردنا الاستهداء بالمعاجم والموسوعات في جذ ور الأسطورة، نجد ما يلي: لقد ورد في معجم "لسان العرب" أن «الأساطير هي الأباطيل و الأساطير، أحاديث لانظام لها، واحدتها إسطار و إسطارة، بالکسر، و أسطير و أسطيرة و أسطور و أسطورة، بالضم و قال قوم: أساطير جمع سطر و السطر: الصف من الکتاب و الشجر و النخل و نحوها، و سطَّر علينا: أتانا بالأساطير تشبه الباطل» (ابن منظور، 1988، ج 6: 257)، و إذا راجعنا معجم "oxford" ورد فيه: ان الأسطورة هي رواية تراثية تقليدية تشتمل عادة علي أشخاص خياليين و خارقين للعادة، و غالبا ما تجسد أفکارا شعبية عن ظواهر طبيعية أو اجتماعية» (fowler , 1995:900) وقد ورد في معاجم أخرﻰ (المنجد في اللغة، معجم دهخدا و المعجم الوسيط) أن الأسطورة هي بمعني الخرافة و الحکاية التي ليس لها أصل، و من الممکن أن نقول أن هذا الرأي خطأ لأن الأسطورة لامؤلف لها، و يتعين أن يکون أصلها غامضا و لکن يکون لها واقع حقيقي أصلاً ثم تستحيل في ذهن الناس و مخيلتهم بتصرفاتها و الأحداث المارة بها إلي تراکم و تضخم و تحريف و تشويه لها عن الواقع الحقيقي الذي کان مصاحباً لها أو وجدت فيه. و ليس غريبا أن يشيع حول کلمة « الأسطورة » کثير من الغموض و يکفينا أن نعرف مصدر الغموض الذي يکتنفها و هو غموض يرجع في أصله إلي الدّلالة الاشتفاقية للفظة «Myth» اللاتينية وهي مشتقة من المصطلح الإغريقي (Mythos) الذي يعني:الکلمة المنطق والحکاية (يونس، 1997: 13) و «يمثل تطور استخدام الإنسان لهذا اللفظ من Mythos إلي Epos إلي logos قصة تطور اللغة ذاتها». (اسماعيل، 1994: 223) و اخيرا يمکن أن نستنتج من دراسة معني الأسطورة ثلاث حقائق متلازمة: الأولي: الموقف الفکري الذي يصدر عن الإنسان القديم في نظرية إلي الکون بطرح تساؤلاته عنه.و الثانية: هي أن الأسطورة لا تنفصل بحال عن الشعيرة الملازمة لها و الثالثة:أن الأسطورة ليست مجرد حکاية خرافية، بل إنها تنتهي إلي حقائق اُکثر عمقاً في الوجود الإنساني.
الأسطورة و معناها المصطلح و قد ورد في موسوعة "Britannica" «أنَّ الأسطورة (Myth) هي رواية تقليدية من أصل مجهول و تتعلق في ما يبدو بأحداث واقعية في مبادئها، من جهة أخري تمثل لنا الايديولوجيات و الظواهر الطبيعته التي ترتبط مباشرة بالمعتقدات والتعاليم الدينية، بينما نجد أن کلمة Mythology أوعلم دراسة الأساطير، تدلّ علي معالجة بالغة في عظمة من الأساطير في شعائر دينية و حضارية خاصة، ومن جهةأخرﻰيري فرويد، اخصائي علم النفس، أن الأساطير لا تتعلق بتأريخ حضارة الامم عادة بل تکون متأثرة بسريرة و فطرة الإنسان» (470: 1768، Britannica,Vol8)، و کما ذکرنا آنفا فان الأساطير لا تنفصل بحال عن الشعيرة الملازمة لها، و هنا من الممکن أن نقول أنها لا تنفصل بحال عن السنن الدينية و تأريخ الحضارة للأمم. و قد جاء في كتاب المصطلح الأدبي "Glossary of Literary Terms" أن «الأساطير هي قصص مقدّسة أو حکايات وقعت في الزمان الأول، زمن البدايات الخرافية و يکون لها واقع حقيقي أصلا، تروي الأسطورة کيف خرج واقع معين إلي حيز الوجود بفضل مآثر بعض الکائنات الخارقة للطبيعة سواء کان واقعا کاملا أوالکون أونوعا من النبات أوسلوکا انسانيا (Abrams , 2005: 178)
أسطورة تموز في التأريخ «و إذا أردنا الاستهداء بموسوعة Americana"" فاننانري هذه الايضاحات عن Tammuz «تموز إله الحبوب والخضروات في العالم اﻟﺳفلي و في وادي الرافدين، يبدو أن تموز کان من اُقدم الآلهة السومرية و يتألف اسمه من عبارة سومرية معناها «الابن الحق» أو بشکل أکمل «الإبن الحق للمياه العميقة» و له اسم آخر هو «دو موزي» Dummuzi، فضلا عن ذلک ملکا راعيا لمدينة أوروک و له دورهام في مراسم الخصب». (Americana, Vol. 26, 1899:253) و قد ورد أيضا في موسوعة "المورد" أن «تموز Tammouz: إله الخصب عند مختلف الشعوب القديمة التي استقرت في ما بين النهرين (دجلة و الفرات) وانتشرت عبادته بادﺉ الأمر بين السومريين و من ثمّ بين الأشوريين و البابليين و في بعض الأساطير أن عيشتار (إله الحب و الحرب) أحبته ثمّ قتلته و أعادته إلي الحياة و هو يجسد انبعاث الطبيعة في فصل الربيع، يقابله أدونيس Adonis"" عند الفييقيين و الإغريق » (البعلبکي، 1980: 167). و لعلَّ أفضل شيء يرقي إلي بالي في الأسطر الأخيرة أن تموز هو رمز للمعتقدات و العادات الشائعة التي کان الناس يمارسونها في مراسيم الخصب و طقوس العبادة، العادات و المراسيم التي بقيت بعضها بين الناس حتي اليوم کما نراها مائلة في مراسيم نوروز عند الفرس و مختلف الشعوب: و من الواجب أن لاننسي أن «هذه الأسطورة تغيرت في صوره المتناسقة مع المراسيم و عادات الناس في کل منطقة و أسلوب حيا تهم.» (Hastings , Vol. 12, 1961:188) «فقد کانت شعوب مصر و غربي آسيا تمثل موت الحياة و بعثها السنويين، لا سيما حياة الثبات تحت أسماء أوزيريس و تموز و أدونيس و آتيس، فسبهوا النبات بإله يموت کل سنة ثم يقوم من بين الأموات و إذا کانت المراسيم تختلف في کل قطر في الأسماء و التفاصيل فقد کانت متماثلة في جوهرها، وکانت الأ قوام السامية في وادي الرافدين و سوريا تعبد أدونيس، ثمّ أخذ الإغريق عنهم عبادته في حوالي القرن السابع للميلاد و کان اسم الإله الحقيقي «تموز» و ما تسمية أدونيس إلا الکلمة السامية و معناها «السيد» و هو لقب احترام کان يطلقه عباده» (فريزر،1982: 18).
الشاعر المعاصر و الموروث الأسطوري: «إن صلة الشاعر العربي بالأساطير صلة قديمة ترجع إلي العصر الجاهلي ذاته، حيث احتوي الشعر العربي منذ ذلک العصر علي بعض الإشارات الأسطورية کالإشارة إلي حکاية زرقاء اليمامة الأسطورية، و لبد نسرلقمان بن عاد، و أسطورة الهامة أوالصدي – و هي هامة تخرج من رأس القتيل و تنادي: اسقوني حتي يؤخذ بثأره... إلخ» (زکي، 1967: 90). و لکنها کانت بالطبع کلها إشارات عابرة لا تمثل منهجا في توظيف الأسطورة، وهناک مجموعة من العوامل وراء شيوع ظاهرة استدعاء الشخصية التراثية، نذکربعضها باختصار: 1- العوامل الفنية: و قد تبلورت في عاملين أساسيين، أولهما: أحساس الشاعر المعاصر بمدﻯ غناء التراث وثراﺋه بالإمكانيات الفنية ثانيهما: نزعة الشاعرالمعاصرإﻟﻰإضفاء نوع من الموضوعية و الدرامية علي عاطفته الغنائية بسبب تأثره البالغة من تجربة إليوت الشعرية و النقدية. في قصيدته الشهيرة «الأرض اليباب» 2- العوامل الثقافية و يمکن بلورتها في عاملين أيضا، أولهما: تأثير حرکة إحياء التراث، و الدور الذي قام به رواد هذه الحرکة في کشف کنوز التراث و تجلياتها، و قد لفت هذا أنظار شعراء العرب منذ بداية عصر النهضة. ثانيهما: تأثر الشعراء العرب المعاصرين بالاتجاهات الداعية إلي الارتباط بالموروث في الآداب الأروبية الحديثة و لاسيما دعوةالشاعرو الناقد الانجليزي ت. س. إليوت إلي ضرورة ارتباط الشاعر بموروثه. 3- العوامل السياسية و الاجتماعية: في العصر الحديث مرت أقطار من الأمة العربية بظروف من القهر السياسي و الاجتماعي و ئدت فيه کل الحريات و هذه من أسباب اتجاه الشعراء المعاصرين إلي استخدام الشخصيات التراثيه کما في قول السياب «کان الواقع السياسي هوأول ما دفعني للجوء إلي الأساطير، فحين أردت المقاومة في عهد قاسم، ففي قصيدة «سربروس في بابل» هجوت قاسما و نظامه أشجع هجاء.» (زايد، 2006:34) 4- العوامل النفسية: و کثيراً ما کان ينتاب الشاعر المعاصر نوع من الإحساس بالغربة في هذا العالم ناشيء عن شعوره بما يسود عالمنا الحديث من زيف و من تعقيد و تصنع و يحن دائما إلي العودة إلي تلک العصور الأسطورية، حيث الأحاسيس لاتزال بکرا لم تبتذل بعد بالزيف و التعقيد. تموز وأدونيس في الشعرالعربي المعاصر کان توظيف أسطورة تموز في الشعر الجديد قد لفت أنظار القّراء علی نطاق واسع في الوطن العربي و غيره من البلاد، و هي أکثر استخداما في أشعار الشعراء المعاصرين،.«و ما يجدر بالذکر أن الشعراء الذين يستخدمون أسطورة تموز في أشعارهم، يسمون بالشعراء التموزيين و من أهم الشعراء التموزيين، السياب، عبدالوهاب البياتي، أدونيس، خليل حاوي، جبرا ابراهيم جبرا، محمد الماغوط، يوسف الخال، محمود درويش غير أنه ينبعي أن نلاحظ شيئين: إن رمز تموز هو العنقاء في أشعار أدونيس ونفس البعل في أعمال خليل حاوي» (ناظميان، 1385: 190) و لعل أحد العوامل التي حرض هولاء الشعراء علی استخدام تموز، علاقته البالغة بالخصبة و القيام و يستدعي الشاعر العربي من خلاله إنتفاضة شعبه. و نستعين بقول جيمس فريزر، الأستاذ الانتربولوجي و العالم بدراسة المثولوجيا بجامعة ليفربول،حيثما يقول في کتابه "الغصن الذهبي" "The golden Bough" إلا أن «أکثر الأساطير يتعلق بأسطورة الخصب (تموز) عادة و من جهة أخري يعتبر الموت و الحياة بؤرة هذه الأساطير.(Frazer, 2000: 427). و لقد كان من أهم الجوانب الايجابية التي تأثر بها الشعراء العرب المعاصرون من الثقافة الأروبية الحديثة دعوة الشاعر و الناقد الانكليزي ت. س. اليوت إلی ضرورة ارتباط الشاعر بموروثه و اليوت كان أول من استخدم اسطورة تموز بين الشعراء الغربيين في قصيدته الشهيرة «الأرض اليباب» التي أنشدها بعدالحرب العالمية الاؤلی سنة 1929م ويری الشاعر الانكليزي من خلال أبياتها أن البلاد الأروبية فقدت روحالحياة و النشاط في وجودها، بعدما أصيبت بعواقب الحرب الدامية من الموت و الخراب و التقسيمات السياسية.
تموز في أشعار السّياب: و قد وظّف السياب هذه الأسطورة في قصيدة « تموز جيکور » بصورتها الکاملة و تصور الشاعر أنه تموز، فالخنزير البري يقتله، فيتدفق دمه، و خيل إليه أن جيکور ستولد من جرحه و تتماوج فيها الغلال و الأنغام و لکنه سرعان ما يکتشف الحقيقة:«إن تموز يعيش مرّة أخري بدموع عيشتار و لکنه ليس لديه أم أوحبيبة ليعود إلی الحياة و لهذا فهو يغيب في ظلام الموت، دون أن يثبت دمه شقائق أو قمحا، إن السنابل و الأزاهير لا تنمو إلّا إذا بعث تموز، فکيف تبعث جيکور و يبعث ربيعها الأخضر بينما تموزها مازال هامدا في التراب» (عباس، 1992: 239 )، کما نجد في توظيف تموز يقول: ناب الخنزير يشقّ يدي و يغوص لظاه إلي کبدي و دمي يتدفق ينسابُ لم يغد شقائق أو قمحا لکن ملحا (السياب، 1971، ج 1: 410) «ومن المعلوم أن حالة السياب النفسية هي الدافع إﻟﻰ تكييف الأسطورةﻋﻟﻰ هذا النحو وهومايمكن تسميته الإستخدام العكسي لملامح الشخصية بحيث تتحول دماء تموز إﻟﻰ ملح يفسد الأرض و يفقدها خصوبتها،بيد أنها مبعث خصب و نماءفي الأساطير القديمة» (كندي،291:2003). و قد وظّف السياب في القصيدة، شخصية تموزعكسيا و يشيرهذا إلي المسألتين، الأولي: اليأس و خيبة الأمل الذي تغلب علي السياب/ تموز ، و هذا هو الذي يستحيل عودته إلي جيکور و بنفس السبب يرجي الشاعر أن تجري الحياة و النشاط في عروقه من جديد و من جهة أخري ينادي عشتار التي تکون في التجربة الشعرية/ رمزالأمل و الحياة ويراه کأشعة في ظل اليأس، غير أنها لم تمکث تتلاشي و تحل محلها الظلمة والعتمة. والثانية: «إنّ علاقة زهرة الشقائق و موت أدونيس تدلّ علي أنّ الاحتفالات و المراسيم المتعلقة بأدونيس کانت تقام في فصل الصيف لا الربيع» (فريزر، 2005: 386) و من المحتمل أن يکون اسم الشقائق مأخوذا من نعمان (محبوب)، و يبدو أنه کان لقب أدونيس و مازال العرب يسمون الشقائق جرح النعمان. «و قد يستدل علي رمز تموز من خلال ذکر "شقائق النعمان" و يأتي حضورها في السياق بمثابة حضور الرمز ذاته کما في قول سميح القاسم» (جبر شعث، 2002: 20) لشقائق النعمان أن ترتاح في أفياء آرز الله للدوري أن يأوي لعشّ آمن من شهوة الأفعي (القاسم، 1992،ج3: 551) و هکذا يأتي تموز متوقا لحالات بعث الحياة الجديدة ليطل علي الإنسان صبح جديد تنقشع به کل معاني الذل و الانکسار و يمثلِّ سياب أسطورة الخصب متفائلاً في قصيدة «سفر - أيوب» کما أنَّه (تموز/ السّياب) يعود إلي الحياة و يسيطر علي الموت و الشحوب کما في قوله: «و قام تموز بجرح فاغر مخضب يصکّ (موت) صلة محجّبا ذيوله و خطوة الجليد بالشقيق و الزنابق» (السياب، 1971: 271) و لعلّ أول ما يلاحظ علی معاني هذه الأبيات أن السياب کان بحکم موقعه الزمني، شديد البحث عن هذا الرمز، لا يهدأ البال له، فإنه يناسب السياب تماماً، ذلک الشاعر العراقي القادم من الريف، يحمل شوقا عارما لبعث و تجدّد الحياة و استمرارها، علی المستويين الفردي و الجماعي و بخاصة أن تموز حاز شهرة عالمية و کانت حاجته إلي رموز من أمثال تموز و مسيح و إلعاذر و فينيق قوية بسبب نشوبه في أزمات و تقلبات سياسية و جسمية و سبب التغييرات العنيفة في المسرح السياسي بالعراق، «و من خلال الرمز يسعي الشاعر أن يربط بين شعره و اتجاهه اليساري – ذلک الاتجاه الذي بدأ سنة 1946 علی وجه التقريب و استمّر حتي عام 1954، فإذا هو والعراق شيء واحد و تحلّت الوحدة الکاملة بينه و بين العراق في قصيدة "أنشودة المطر"» (عباس، 1992: 178) کما في قوله: مطر... تراق من دم العبيد فهي ابتسام في انتظار مبسم جديد... مطر... مطر... مطر... (سياب، 1960: 15) و من الواضح أن المطر في هذه القصيدة يرتبط ارتباطا عميقا بتموز (إله المياه العميقة )، و من المحتمل أن يکون المطر هنا نفس دماء تموز و مصدر خصب للأرض (العراق) علی أساس الأسطورة و أن يکون معبرا عن حالة الشاعر النفسية و أزمته المعيشية (و أيضا حالة شعبه الشاحبة) التي تردّي فيها بشکل شخصي و علی مستوي وطنه کلّه فالشاعر متردّد في الايمان بالبعث العراقي في بعض مراحله، شاک في قدرة تغلب تموز المعاصر في نفض أ کفان الموت و الجفاف و إذا نريد الاستهداء بالموروث التأريخي يبدو لنا أن «المطر حل من قديم حياة و حاجة و شعيرة داخلا في دائرة القداسة و الرهبة، فمن قديم کانت هناک عبادة تموز – و معنی الکلمة: الابن الحق للمياه العميقة و من المعروف أنه من آلهة الخصب باعتبار المياه مصدر الحياة و من المعروف أن «تموز» حين مات دفن في المياه و عملية الدفن واحدة من شعائر الخصب لأن الإلقاء في الماء عند البدائيين يعتبر تعويذة لإ سقاط المطر، کما تعتبر المسيحية الصليب رمزا من رموز المطر و الخصب کما تعتبر السمکة رمزأ هاما في الدين المسيحي» (بدوي، 1978: 137) مما لا ريب فيه أن هذه التفاصيل تدلّ علی أن السّياب من خلال رموز الخصب و البعث يسعی أن يرتبط بين بابل الوثنية و الخصبة و العراق الشاحبة الحديثة، ذلک لأنه يستطيع أن يستخدم أکبر خدمتين للأسطورة و هما التطابق بين الماضي التأريخي و الحاضر و الموازنة القياسية بينهما.
تموز في أشعار البياتي
و قد ساهم البياتي (1926-1999م)
في أکثر التيارات السياسية من وطنية و قومية و شيوعية و کثيرا ما يتحدث
الشاعر العراقي في قصائده عن العراق و ما فيها من الظلم و الاستبداد
مستعينا ببعض المظاهر الأسطورية و الاسلامية، في الزمن الذي حفلت الأجواء
السياسية و الاجتماعية باليأس و التوتر في العراق لتعسف النظام الدکتاتوري
فيها،
و لعل العوامل التي دفعت البياتي إلي توظيف الأساطير ولاسيما أسطورةالخصب
هي اضطراباته النفسية و الواقع السياسي و الاجتماعي المؤسف في العراق بحيث
يقول «كنت ألوذللرسوم و الرموز، إذ لم يكن بمقدوري أفك طلسم الكلمات و كان
أغلب رسومي أقرب إلي السوريالية،فكانت رسوم و رموز القهر و الموت و الضياع
و الفقر و الغربة و كل ما يؤدي إلي بؤس الإنسان و خنق حريته هي الرموز التي
تثير سخطي و كراهيتي كي أستفيد من عالم الأساطير ... و مازالت منذ الطفولة
أشعر و أنابين أسرتي و أصدقائي بالعزلة و كانت تفكيري الداخلي يأخذ الكبير
من وقتي و كثيرا أتساءل «لما ذا يموت الإنسان» (النصّار
و الصائغ، 1996:
و مما لاريب فيه أن ذاكرته قبل نهاية الخمسينات كانت مليئة بصور سوداء، شاحبة، مريرة للعراق و في ذلك الوقت كان جنود الانكليز و البولونيون و الهنود مسيطرين علی كل شيء في البلاد و كان الشباب العراقيون يتآلفون جماعات جماعات ويؤدون دورهم الوطني بشكل منظم أربك المحتلين و أقض مضاجعهم و يعرفون أن وراء كثرة المواخير و البارات و الغائلات في بغداد هم الانكليز و جنودها المحتلة. يوظف البياتي أسطورة تموز معاکسا في الحالة التي يدعي الشاعر في قصيدة « العودة من بابل » أن الأمة العربية لا تضيق ذرعا عن مواجهة الأنظمة الدکتاتورية والشظف المستحوذ علی عيش الناس، و يصيح الشاعر عن ظلم الذﺋاب المستحوذة علی حياة شعوبها. کما يقول في هذه القصيدة: «تمّوز لن يعود للحياة فآه ثمّ آه بابل تحت قية الليل، بلازاد و لا معاد بلا حنوط – ترتدي عباء ة الرّماد» (بياتي، 1990، ج 2: 78) و نواجه في هذه القصيدة بأسلوب شائع في توظيف ملامح الشخصية التراثية توظيفا عكسيا ويتمثل هذا الأسلوب في توظيف الملامح التراثية للشخصيِة في التعبير عن معان تناقض المدلول التراثي للشخصية، و يهدف الشاعر من استخدامه هذا الأسلوب في الغالب إلی توليد نوع من الإحساس العميق بالمفارقة بين المدلول التراثي للشخصية و البعد المعاصر الذي يوظّف الشخصية في التعبير عنه » (زايد، 2006: 203) و يرجي بياتي من خلال اليأس و العقمة التي سادت علی العراق أن تعود الأمة العربية إلی أجواء الأسطورة (أسطورة الخصب و البعث)، بهذا السبب ينادي الشاعر عيشتار، إله الخير و البرکة و بعل تموز، و يقول: أيتّها الحبيبة عودي إلي الأسطورة سنبلة، شمسا بلا ظهيرة امرأة من الدّخُان، جرة مکسورة (البياتي، 1990، ج 2: 78 ) کما يوظّف بياتي اُوزريريس، إله الخصب و البرکة في مصر، الذي يقابل تموز في بابيلوس، في قصيدة « الصورة و الظلّ» و يصور من خلالها الزوبعة التي تواجهها الأمة العربية کما يقول: « لوجمعت أجزاء هذي الصورة الممزقة إذن لقامت بابل المحترقة ... و انهارت الأسوار لوجمعت لعاد أوزوريس من قبره المائي، من غياهب المجهول لأزهر الرماد في الحقول و نزعت أنياب هذا الغول» (المصدر السابق: 94 ) و من المحتمل أن يكون قصده من العالم السفلي في الأساطير و لاسيما آلهة الخصب هو قدر الفقراء و بيتهم الذي ينتظرهم في الأقطار العربية، بصفة كتب عليهم أن يقيموا فيه بلا بعث و نشور و هو النفس الجحيم الذي نزلت إليه عيشتار بحثا عن تموز (أوزيريس) لانتزاعه من مرقد الأموات، فالفناء إذن كان نصيب الانسان الفقير، أما العودة إلي الحضور أوالبعث في الحياة، فقد كان من نصيب آلهة الأرض. ويشير القبر الماﺋﻰ إﻟﻰ قتل أوزيريس بيد اخيه «ست » الذي جعله في صندوق وألقاه في نيل(كريمر،56:1974)، يعبر الشاعر هنا عن المصيبة، المعاناة و الدکتاتورية التي تواجهها الأمم العربية و لا سيما العراق و يعاني من عذابات الانسان العربي، ثم تبدو العراق (بابل) في تجربته الشعرية کصورة جميلة غير أنها متمزقة و إذا تتمکن أن ترجع إلی و حد تها وتضامنها فنراها في صورة جميلة رائعة (بابل الوثنية و الخصبة ) کما وجدناه في تجربة السياب.و من الواجب أن ندري أنّ رمز البعث و الخصب ينقسم إلي ثلاثة أقسام: 1- رمز العهد القديم الذي کان إلعاذر ممثله 2- رمز الخصب الذي کان تموز ممثله 3- طائر الفنيق أو العنقاء الذي هورمز أسطوري و مخلوق البياتي و قد أعطاه ميزات أسطورية يقابل عايشة في أشعاره.
تموز في أشعار خليل حاوي خليل حاوي (1925-1982م)، شاعر أديب و أستاذ جامعي و لد في الشوير قضاء المتن و درس في مدارسها، انتسب إلي الجامعة الأميرکية و درس الأدب العربي و الفسلفة و نال شهادة الدکتوراه في جامعة کيمبردج و من مؤلفاته الشعرية: "ديوان خليل حاوي"، "نهر الّرماد" و "عند سرير السياب" (بديع يعقوب، 2004، ج 1: 390) حاوي کان من الشعراء التموزيين الذين استخدموا تموز و افرا في أعمالهم الأدبية، فعلی سبيل المثال ينادي حاوي إله الخصب في قصيدة "بعد الجليد" کما في قوله: يا إله الخصب، يا تموز، يا شمس الحصيد بارک الأرض التي تعُطي رجالا اُقوياء الصلب نسلا لا يبيد يرثون الأرض للدهر الأبيد[3] بارک النسل العتيد[4] بارک النسل العتيد (حاوي، 1972: 138) هذا القول يجعله الشاعر حديثا أسطوريا يعبر عن معاناة الموت و البعث، و هذا الشعر يتحول إلي صلاة رومانسية ترفع للخالدين من الأوائل الذين سطروا في صفحة المجد حکايات البطولة الروية علي مّر الجبال و أبناء هؤلاء الأوائل وحدهم « يرثون الأرض للدّهر الأبيد»و الشاعر يوکد في قصيدته أنه من الذين ورثوا الأرض، فکان عليه أن يسجل في جبين الدَّهر، شعره المنصهر في عيني الزمن، ليبقي راويا عنه ما ترويه الشعوب في حضارة العالم المتمدن و إذا و قفنا علي حقيقة هذا البذار، نتعرف کل ما نري معرفته، مما يفيده الشاعر من أسطورة تموز و ما ترمز إليه من غلبة الحياة و الخصب علي الموت و الجفاف. و من الشخصيات الدينية التي استدعاها الشعر العربي المعاصر و التي حظيت في التراث الديني بلون من القداسة،شخصية «لعاذر» الذي أحياه المسيح بعد موته، و قد شاع توظيف العاذر رمزا للبعث و الحياء بعد الموت في الشعر المعاصر و إن كانت هذه الدلالة العامة لرمز «لعاذر» قد أخذت صيغا و أشكالا كثيره لعل أنضجها و أعمقها ما فعله الدكتور خليل حاوي في قصيدته الطويلة «لعاذر عام 1962» تجد خليل حاوي متمثلا في تموز إله الخصب و اليعاذر سنة 1962 و هو أوفي تعبيرا عن تجاربه و انفعالاته، حيث صورمن خلال شخصية «لعاذر» ذلك البعث العربي المجهض الذي فجع فيه الشاعر بعد أن عاش حياته يبشر ببعث عربي جديد، حتي إذا ما تحقق ذلك البعث إذا به بعث كاذب، أوعلي حد قول الشاعر مخاطبا في المقدمة النثرية للقصيدة: و كيف تبعثك العنايةو أنت ميت حجرته شهوة الموت و في طبيعة الانبعاث أن يكون تفجرا من أعماق الذات. و کثيرا ما نشاهد حاوي يوظف إلعاذر ( رمز الخصب و البعث )توظيفا عکسيا کما رأينا تحقق في قصائد السياب، بعبارة أخري يوظف الشاعران إ لعاذر توظيفا عکسيا إشارة إلي أن البعث الواقعي خلال المؤتمرات العربية التي لم تحقق آمال الحرية بالرغم من توقع الشعراء المعاصرين و الأمة العربية من حدوث الانبعاث و التجدد الجذري و الأساسي من خلالها، كما يقول الحاوي: لفّ جسمي، لُفه: حنطه، واطمزهُ بکلس مالحٍ، صخر من الکبريت فحم حجري (حاوي، 1972: 315) و من الملاحظ أن العادز ينکر النشاط و الحياة و يؤکد البقاء في الأجداث المظلمة و يرجو أن يکون مبتعدا من کل عناصر البعث و الانبعاث و بالرغم من جميع البواعث المهّيأة التي تحثه علي الانبعاث و العودة الجديدة إلي العيش، يسيطر عليه ستر الموت فقط.كما يبرز يأس و خيبة أمل الشاعر للبعث الحقيقي من خلال توظيفه العكسي لشخصية «لعاذر»: كيف يحييني ليجلو عتمة عضت بها أختي اللعينة دون أن يمسح عن جفنيّ حمّی الرّعب و الرؤيا اللعينة و «لعاذر» في هذه القصيدة «ليس ميتا موتا حقيقيا، بل هو ميت وسط أموات من جيله، فقبره هذا الوجود... و هو قرير بموته، غير شاعر بمسؤولية وجوده الحقيقي... يخشي تبعات البعث، استجابة المسيح لرجاء أخته أن يبعثه، لأنّه يخاف ما كلّفه البعث من المشقّة» (هلال، 1973: 432-431). يبعث لعاذر رغم ذلك علي يد المسيح،و لكنه بعث مجهض أليم، أو بعث كاذب نلمح آثاره علی زوجة لعاذر التي استخدمها الشاعر في القصيدة رمزا للحياة الحقيقية المتفجرة ليصور عن طريق موقف لعاذر منها بعثه و سلوكه الذي يرشح موتافي مقابل تفجيرها بالحياة و الحيوية مدي خيبة أمله في ذلك البعث الذي تم. ولکن حاوي يختلف اختلافا جذريا عن السياب في معالجة الأسطورة، فهو لا يستمد الأسطورة الجاهزة علی حالها، و إنما يبنيها بناء ا جديدا و لا يعرف أسطورة تموز کما يعرفه السياب برمّته، علاوة علی هذا يقول حاوي: «إذ أنتقل إلي الحديث عن رموز أدونيس، أجدني عاجزا عن الإحاطة بها، ولکن يکفي أن أقف وقفة قصيرة عند قصيدة واحدٍة و أعني بها "رحيل في مدائن الغزالي"» (عباس، 1978: 171) و ما يجدر بالذکر أن «الحاوي قد بني بعضا من قصائده علي ما أفاده من الشاعر الشهير «ت. س.إليوت »[5] المتضمنة لمعاني أساطير الخصب المرتبطة بموت الطبيعة و انبعاثها» (الحر، 1995: 146) و تتجلی شخصية الحاوي من خلال قصيدته «بعد الجليد» و يتجلي الانصهار الرومانسي في هذا الشعر مما يفيده الشاعر من أسطورة العنقاء التي تموت، ثم يلتهب رمادها فتحيا ثانية و قد بني قصيدته علی ما أفاده من الشاعر الشهير: ت. س. إليوت المتضمنة لمعاني أساطير الخصب المرتبطة بموت الطبيعة و انبعاثها و حين رأی الحاوي ما تحويه هذه القصيدة من بعد حضاري، ألصق قصيدته هذه بها، و استمد من معانيها «يا إله الخصب يا تموز...» و مناداة الحاوي تختلف معني و نداء عن تلك الموجودة عند إليوت فهذا الأخير يعاني من معضلة حضارية همسرمة تعيش واقع الاحتضار و الحاوي يري أمته علی عتبة انبعاث حضاري ينهض الشعب العربي من خمود و انحطاط ظل سجينه لقرون. الحاوي لم يکتف برمز واحد للفظة الموحية بالرفض الثوري لکل هوان أو استسلام، بل جعل لها عدّة رموز تتوافق مع مرادفات الحرية الانسانية التي يطرق بابها بقبضة کل يد مضرّجه بدم الشهادة: ثم تحيا حرّة خضراء تزهر و تصلّي لصدي الصبح المطلّ و تعيد من ضفاف « الکنج» للأردن « للنيل» تصلي و تعيديا إله الخصب، يا تموز، يا شمس الحصيد (حاوي، 1972: 142 ) و يتحدث الحاوي بنفسه عن الرمزية في شعره فيقول: « أن من يتّبع شعري يجد أن البعث محاولة تلقائية مستمرة في إبداع الرموز المستمدة من واقع حضارتنا و حکاياتنا الشعبية و مظاهر الطبيعة و منها تمّوز و الخضر و العنقاء و البعل و البصارة و السندباد و الثلج و الصحراء و الرمل و البحر، و أعتقد أني تحاميت آفة الشعر الشعبي أو الفولکوري الذي ينزع منزع السرد و عرض الظواهر و الأحداث، بأسلوب و صفي متراخ مسترسل. فتحولت الحکاية اُو الأسطورة إلی رمز جعلته أساسا خفيا للقصيدة» (جبر، 1991: 60) وما يجدر بذکره إن تطلعات الحاوي التي تتجلي في آثاره و أساطيره تتبصر بغد يشارک الناهضين بمسيرتهم المرافقة لتغييرات العصر، دون المساس بجوهر الفکر الفائض في أعماق الوجود و تطلعاته المستقبلية.
تموز في أشعار يوسف الخال يوسف الخال (1916-1987 م) شاعر و أديب و باحث سوري، تخّرج من الجامعة الأميرکية في بيروت عام 1994، من دواوينه الشعرية «البئر المجورة» و ديوان يوسف الخال، سافر إلی الولايات المتحدة و رأس تحرير جريدة «الهدي النيويورکية» (يعقوب، 2004، ج 3: 402)، يوسف الخال من أکثر الشعراء المعاصرين و لعا بتکديس الرموز الأسطورية القديمة و لا سيما تموز في شعره و احالتها إلی مقابلات عقلية، حيث يشير إلی أسطورتاتموز و عشتروت في قصيدة "الدّعا" ( اسماعيل، 1994: 213): و قبلما نهّم بالرحيل نذبح الخراف واحدا لعشتروت، واحدا لأدونيس واحدا لبعل... (الخال، 1979: 234) يوظف الشاعر هنا شخصية تموز ليؤکد من خلاله أن عشتار ستعود بجيبها من عالمه السفلي و أن الخصب سيعود إلی الأرض العربية و يرضي الشاعر أن يذبح أهم قيمه الأساسية للتجدد والانبعاث و للوصول إلی أرفع مستويات الالتحام القائم بين النضال القومي و الصراع الاجتماعي الذي فقدته الأمم العربية، يندرج بعض هذه الأشعار في إطار أدب المقاومة الذي يناهض الاستعمار الأجنبي و الأميرکي في العالم العربي المعاصر.
تموز في أشعار أدونيس هو علي أحمد أسبر ولد بسوريا، کتب باسم علي أحمد سعيد، إضافة إلی اسم أدونيس الذي غلب عليه نال شهادة الليسانس في الفلسفة و من کتبه النقدية هي « الثابت و المتحول » - الذي کانت عنوان أطروحته في مرحلة الدکتوراه – و « مقدمة للشعر الجاهلي» (أدونيس، 1988، ج 1: 3 )« و في العصر الحديث أصبحت الأساطير مصدرا خصبا للأدب و شعره و نثره. و في شعر الحداثة العربية المعاصرة نجد مجال الأسطورة تيارا واضحا سلکه کثير من الشعراء... فنري أدونيس في هذا الصدد يستخدم الأسطورة التموزية للتدليل علی الاضمحلال الحضاري الذي أصاب وطنه لذلک فهو يصور الأطلال الاجتماعية في هذا الوطن ثمّ يشير بلهجة الانبياء إلی البطل المنقذ( طهماسبي، 1382: 40) تموز يستدير نحو خصمه أحشاؤه نابعة لشقائقا و وجهه غمائم حدائق من المطر و دمه، ها دمه جری سواقيا صغيرة، تجمعنا و کبرت و أصبحت نهر (أدونيس، 1988، ج 1: 170) يدعو أدونيس من خلال الأبيات إلی البعث و النشور الجديد و يوظّف تموز علی وجه شاحب و علی الرغم من جراحه الحاد يطلب منه أن يعيد النشاط و الحرکة إلي الأرض و يسيطر علی أعدائه. و هذا أدونيس يكاد ينصب معظم ديوانه علي فكرة العودة، و لكنه إلی جانب استخدامه للرموز التي يعثر عليها لدی مختلف الثقافات لتحقيق فكرة العودة و البعث، يحاول أن يستثمر في هذا المجال رموزا أخری لاعلاقة لها في الأصل بفكرة البعث، كما فعل مع شخصية «مهيار» في قصيدته المطولة (فارس الكلمات الغريبة) و كما فعل مع شخصيات أخري. فهو يريد من بشار و من أبي نؤاس و من كل من يتناولهم من الشخصيات التأريخية أن يعودوا فيبعثوا من جديد، علی سبيل المثال نری أدونيس يبني قصيدته المطولة (الصقر) حول القصة نفسها، و يكاد صقرقريش أن يكون الشخصية العربية الوحيدة التي خالف فيها أدونيس مبدأه في اختيار الرموز التي يعني بإبراز إيجابياتها، فهو أموي، و الدولة الأموية تمثل تكريس النظام الإسلامي الجديد الذي يجاهده أدونيس،و هو أيضا ملك و وريث لملوك يمثلون في الدولة الإسلامية الجانب اليميني المتطرف، الذي يجاهد ضده أدونيس أيضا «لكن أدونيس لايريد من صقر قريش واقعه الخاص، بل يريد منه الرمز أو الحقيقة التي يمكن أن يصل إليها عن طريق هذا الرمز. إن صقر قريش يرمز إلی «العودة» و إلی «البعث بعد الموت»، رجل يفقد ملكه و أهله في الشرق، فيتجه إلي الغرب ليؤسس ملكا جديدا هناك، إنه كأدونيس الذي فقد نفسه في مسقط رأسه و التجأ إلي لبنان ليؤسس نفسه هناك من جديد، إنه (أدونيس) جديد كما سمّی نفسه، بل هو كل اسم يوحي بالعودة و البعث، إنّه تموز، مسيح، طائر الفينيق أوالعنقاء و الخضر» (ساعي، 2006: 357) فإذن اهتمامه بصقر قريش ليس اهتماما قوميا غايته استرجاع ماض أو تمجيد حضارة بل هو اهتمام شخصي نابع من توافق الرمز خارج الشاعر مع الرمز داخله. و قليل من الشعراء من استطاع الخروج برموزا الخصب كطائر الفينيق و تموز إلي أجواء جديدة مرتبطة بظروفهم السياسية و الاجتماعية و تظل الأمثال علی الاستخدامات المبتكرة للرموز القدية عند الشعراء السوريين و العراقيين خاصة و العرب عامة، محدودة و نری في بعض القصائد أن الشاعر يوازي بين هزيمة العرب في خمس حزيران 1967م و أسطورة طائر الفنيق الذي تعتبر إحدی رموز البعث الذي يحترق بأشعة الشمس ثم ينبعث من خلال الرّماد، فيرمز به النصر الذي يتحقق من خلال الهزيمة: و متی أری عارالهزيمة فينقا يذري رمادا في لهيب النار في جمرالمحارق ليهبّ منه الثأر يزخر بالعواصف (الأحمد، 1974: 20) «و يبدو أن أدونيس في غياب الحقيقة تحضر الأساطير لتفسر بها الشعوب ما ينزل بها، و لتنفس من خلالها تنفسا بعضه روحي، و بعضه بطولي و بعضه تأريخي و بعضه فني» (منصور، 1999: 48) غير أننا نجد رمز الانبعاث منبعثا في أساطير أخری، کفينيق و أدونيس علي وجه الخصوص و تستحضر أساطير أدونيس و تموز و عشتار، علی نحو صريح أوضمني، في تعابير الخصب و النماء و تجدّد الحياة.و إذا کانت هذه الأسماء النموذجية تستخدم أحيانا لغايات انتقادية، عن طريق تصوير المجتمع القديم في ثباته و عجزه، کما هي الحال مع اسم «عائشة» في قصيدة أدونيس الشهيرة: «البعث و الَرماد» فإنها تحيلنا في الغالب إلی الإنسان العادي و البسيط، الإنسان الذي يشکل عينة عن المجتمع، بکل ما يتمتع به من خصال الکرم و المحبة و الطهارة و الشجاعة (خير بک، 1986: 143) و بعد معالجة رموز أسطورة تموز في الشعراء التموزيين يمکن تقديم اللائحة التالية للکلمات المرتبطة بالأسطورة:
تلاحظ آثار تموز في قصائد جبرا ابراهيم جبرا و حبيب إسطفان و نازک الملائکة و... من الشعراء المعاصرين و هنا لا يسعنا المجال للحديث عنها.
النتيجة بعد النکبة في الخمسينات و بداية الستينات ظهر بعض الحرکات الثورية التي أحيت الأمل في النفوس و رغبتها في التّحرر و التقدّم، فکان هذا أشبه بهاجس الخصب و البعث و الولادة... و ما يرمز إلی الحياة و انبعاتها و تجددها بعد جدب أو فناء، و هذا ما يفسر في الوقت نفسه انطلاقة شعر الحداثة العربية بأساطير النّماء و الخصب و البعث و الولادة (العنقاء و الفنيق و تّموز و أدونيس و عيشتار) قبل غيرها من الأساطير... و من الانصاف أن أقول إنّ الشعراء مختلفون في مقدار رغبتهم في اُسطورة، فبعضهم من أمثال السياب يکثر منها وبعضهم مثل أمل دنقل (و کثير من شعراء مصر) قليل الالتفات بها، من بين هذه الأساطير، ينعم تّموز بأهميه خاصة، لأنه يمثّل دوراً هاماً في أعمال الشعراء المعاصرين، إلی حدٍ يمکننا أن نسمَّي بعضهم بالشعراء التموزيين، علی سبيل المثال يسيطر رمز الخصب و البعث في قصائد السياب سيطرة کاملة، لأنّه کان يظنّ أنّ الرمز يعينه في مواجهة زوبعة الموت، ثم ازدادت سيطرة تموز إذا ما احتاجت العراق إلی العمران بعد الجدب خلال الازمة السياسية، أمّا بالنسبة لخليل حاوي، تحظی قضية النشور و التجدّد في شعر حاوي مکانة مرموقة و هو متفائل علی الرُّغم من تأخرّات تعرضّت بسکينته.و في الأخير جدير بالذکر أنّ الشعراء التموزيين من أمثال: أدونيس، جبرا ابراهيم جبرا، البياتي ... يريدون نهضة الأمة العربية أمام تأريخهم لکي بستطيعوا إنهاء کل المشاکل الثقافية و السياسية و الاجتماعية، و يحرزوا تقدَّما عظيما في اختيار أسطورة تموز في أعمالهم الأدبية.
المصادر و المراجع * القرآن الکريم 1- الأحمد، أحمد سليمان، هذا الشعر الحديث، دمشق، 1974م. 2- ابن منظور، لسان العرب، المجلد السادس، بيروت، داراحياء التراث العربي، 1988 م. 3- أدونيس، علي أحمد، الأعمال الشعرية الکاملة، بيروت، دارالعودة، 1988 م. 4- اسماعيل، عز الدين، الشعراالعربي المعاصر قضاياه و ظواهره الفنية و المعنوية، الطبعة الخامسة، بيروت – لبنان، دارلثقافة، 1994 م 5- بدوي، عبده، دراسات في الشعرالحديث، الطبعة الثانية، الکويت، دارالسلاسل، 1978 م. 6- بديع يعقوب، إميل، معجم الشعراء منذ بدء عصر النهضة، بيروت، دارصادر، 2004 م. 7- البعلبکي، منير، موسوعة المورد، الطبعة الثانية، بيروت، دارالعلم، 1980 م. 8- البياتي،عبدالوهاب، الأعمال الشعرية الکاملة،الطبعة الرابعة، بيروت، دارالعودة، 1990 م. 9- جبر، جميل، خليل حاوي (شعراء لبنان )، لبنان، دارالمشرق، 1991 م 10- جبرشعث، احمد، الأسطورة في الشعرالفسطيني المعاصر،فلسطين، مکتبة القادسية، 2002 م. 11- حاوي، خليل، ديوانه (الأعمال الشعرية الکاملة )، بيروت، دارالعودة، 1972 م. 12- الحر، عبدالمجيد، خليل حاوي شاعر الحداثة و الرومانسية، بيروت، لبنان، دارالکتب العلمية، 1995 م. 13- خاقاني شرواني، أفضل الدين، ديوان، تهران، سعادت، 1316 هـ. ش 14- الخال، يوسف، الأعمال الشعرية الکاملة، بيروت، دارالعودة، 1979 م. 15- خيربک، کمال، حرکية الحداثة في الشعرالعربي المعاصر، الطبعة الثانية، بيروت، دارالفکر، 1986 م. 16- دهخدا، علي اکبر، لغت نامه دهخدا، چاپ سوم، تهران، دانشگاه تهران، 1372 هـ. ش 17- رضايي، مهدي، آفرينش و مرگ در اساطير، چاپ دوم، تهران، اساطير، 1383 هـ. ش 18- زايد، علي عشري، استدعاء الشخصيات التراثية في الشعرالعربي المعاصر، الطبعة الرابعة، القاهرة، دارغريب، 2006 م. 19- زکي، أحمد کمال، الأساطير، القاهرة، دارالکتاب العربي، 1967 م. 20- ساعي، أحمد بسام، حركة الشعر العربي الحديث خلال أعلامه في سورية، دمشق، دارالفكر، 2006م. 21- السياب، بدرشاکر، أنشودة المطر ، الطبعة الثانية، بيروت، دارمجلة الشعر، 1960 م. 22- ____،ديوانه (الأعمال الشعرية الکاملة )،الطبعة الثانية، بيروت، دارالعودة، 1971 23- الشواف، قاسم، ديوان الأساطير، بيروت، دارالساقي، 1996 م. 24- الصائغ، عدنان و النصّار، محمد تركي، عبدالوهاب البياتي مايبقي بعدالطوفان، المملكة المتحدة، نادي الكتاب العربي، 1996م. 25- ضيف،شوقي، تاريخ الأدب العربي (العصر الجاهلي)، الطبعة الثانية، قم، ذوي القربي، 2005 م 26- طهماسبي، عدنان، بررسي افکار و آثار آدونيس (پايان نامه دكترا)، تهران، دانشگاه تهران، 1382 هـ. ش 27- عباس، احسان، إتجاهات الشعرالعربي المعاصر، الکويت، 1978 م. 28- ____، بدرشاکر السياب دراسة في حياته و شعره، الطبعة السادسة، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1992 م. 29- عبدالباقي، محمد فؤاد، المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الکريم، الطبعة الرابعة، القاهرة، داراکتب المصرية، 1973 م 30- عجينة، محمد، موسوعة أساطير العرب عن الجاهلية و دلالتها، بيروت، دارالفارابي، 1994 31- غربال، محمد شفيق، الموسوعة العربية الميسرة (المجلد الاول )، الطبعة السادسة، بيروت – لبنان، دارالنهضة للطباعة و النشر، 1981 م 32- فريزر، جيمس، أدونيس أوتموز (ترجمة جبرا ابراهيم جبرا)، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات و النشر، 1982م. 33- ___، ___، شاخه زرين پژوهشي در جادو و دين، ترجمه کاظم فيروزمند، چاپ دوم، تهران آگاه، 1384هـ. ش 34- القاسم، سميح، الأعمال الکاملة، بيروت، دارالجيل و دارالهدي، القاهرة، 1992 م 35- کريمر، صموئل، أساطير العالم القديم، ترجمة عبدالحميد يوسف، القاهره، الهيئة المصرية العامة للکتاب، 1974 م. 36- کندي، محمد علي، الرمز و القناع في الشعر العربي الحديث، بيروت – لبنان، دارالکتب الجديد، 2003م. 37- منصور، ابراهيم محمد، الشعرو التصوف، الطبعة الثانية، القاهرة، دارالأمين، 1999 م 38- مصطفي، ابراهيم، المعجم الوسيط، الطبعة السادسة، بيروت، دارالعودة، 1989 م. 39- معلوف، لويس، المنجد في اللغة، الطبعة الثانية، تهران، اسلام، 1380 هـ. ش 40- ناظميان، رضا، زمينه هاي درک رمز و نماد در شعر معاصر عرب (مجله زبان و ادب )، تهران، شماره بيست و نهم، دانشگاه علامه طباطبايي، پاييز 1385، ص 190. 41- هلال، محمد غنيمي، النقدالأدبي الحديث، بيروت – لبنان، دارالثقافة و دارالعودة، 1973م. 42- ___ هيثم، أساطير العالم، بيروت – لبنان، دارالمعرفة، 2004 م 43- يونس، عبدالحميد، الحکاية الشعبية،القاهرة، قصور الثقافة، 1997 م.
المراجع الانکليزية 44- Abrams, M.H (2005) Glossary of literary terms, Eighth edition, U.S.A, Boston. Thomson & wads worth, p 178. 45- Fowler , H.w. & (F.G , Fowler ) , 1995 , Oxford dictionary , London , Clarendon press , p 900 46- Frazer , James (1963) The Golden bough , London , Macmillan and Co LTD , pp 426-427 47- Hastings , James , Vol.12 (1961) , Encyclopedia of Religion and Ethics , Second edition , America , New York , Charles Scribner s sons , p 188 48- Safta, Jacob. E (James. E, Goulka), Vol.8, (1768), The Encyclopedia Britannica, 15 th edition, U.S.A. Chicago , p 470 49- Americana , Vol. 26 , (1829) , The encyclopedia Americana , U.S.A , Americana corporation , p 253
اسطوره تموز در شعر پيشگامان شعر نو در عراق و سوريه
دكتر شهريار نيازي استاديار دانشكده ادبيات و علوم انساني دانشگاه تهران عبداله حسيني دانشجوي كارشناسي ارشد دانشگاه تهران چكيده تموز يا دوموزي يكي از خدايان اساطيري ميان روداني است كه نماد باروري، شكوفايي و خيزش بوده است. چكامه سرايان معاصر عراق و سوريه برآنند تا با بهكارگيري چنين نمادي در برابر ناكاميهاي سياسي و اوضاع نابسامان كشورهاي عربي به اعتراض برخيزند و با اشاره به عظمت و شكوه گذشته دو سرزمين و نمادهاي خيزش آن، از زمانهاي دور خود ياد كنند. مقاله پيش رو پژوهشي است كه به بررسي كاركردها و جنبههاي گوناگون اين خداي اساطيري در آثار مشاهير شعر نو در عراق و سوريه ميپردازد و از طريق كاوش در چكامههاي آنان، انديشههاي انقلابي و مليگرايانه هريك را بازتاب ميدهد؛ انديشهاي كه با بهكارگيري شخصيت نمادين تموز، خواستار قيامي مردمي و فراگير در برابر اهريمن ظلم و فساد و تباهي است، در لابهلاي خطوط اين پژوهش، نگارندگان تلاش ميكنند وجه اشتراك اين پيشگامان را در ارائه تصوير «سرزمين خراب» از جهان امروز عرب روشن سازند؛ تصويري كه بيش از هر چيز متأثر از انديشههاي غربي بهويژه سروده «سرزمين خراب» تياساليوت است و در سروده تموزي «أنشودةالمطر» سياب به نقطه اوج خود ميرسد. در اين مقاله همچنين تلاش بر آن است تا آرمانشهر ذهني چكامه سرايان عرب را كه با جلوههاي گوناگون اسطوره تموز مرتبط است، براي درك عميقتر اين پديده، به خوانندگان بشناسانيم.
واژههاي كليدي: رمز، اسطوره، تموز، شعراي تموزي، مبارزه ملي [1]- أستاذ مساعد في قسم اللغةالعربية و آدابها بجامعة طهران [2]- طالب في مرحلة الماجستير بجامعة طهران [3]- أبد: توحش و غضب [4]- العتيد: الحاضر المهيأ [5]- إليوت، توماس شيرن (1888- 1965 م ) شاعر و ناقد إنکليزي من أصل أميرکي. تلقّي علومه في جامعات هارفرد و السوربون وأکسفورد. يتمّيز شعره بالعمق و التعقيد و لغته الصعبة و موسيقاه الجديدة، من قصائده الأولي « الأرض الخراب » و « الرجال الجون »، تعتبر مقالاته في النقد و کتبه في المسرحيات الشعرية من أحسن ماکتب في أدب القرن، حصل علي جائزة نوبل للاداب سنة 1948 م. (غربال، 1981: 214) ---------------------------
قناع امرئ القيس في شعر عزالدين المناصرة
الدکتورة رقية رستم پور ملکي[1]
الملخص انطلق الشاعر العربي المعاصر نحو تقنية القناع رغبة منه لتحقيق الموضوعية لقصيدته وإضفاء عواطفه ومشاعره علی شخصيتة معنية أو توزيعها علی شخصيات ورموز. وقد تتناسق مع ذات المبدع أو تناقضه وذلک بهدف الابتعاد عن المباشرة والغنائية. وأخذ الشاعر الفلسطيني ليعبر مقنّعاً عن ضيفة وتبرمه بالظروف والملابسات التي تحيط بعصره وتعصف بکيان أمته وتغمر مجتمعه بروح اليأس وذلک إثر کارثة فلسطين وعواقبها، ويکشف عن الواقع الأليم السائد في عصره. اتخذ عزالدين المناصرة تراث امرئ القيس الشاعر الجاهلي الشهير لإثراء تجربته الشعرية وبيان معاناته ومأساة شعبه. إذ تقمص هذا القناع ليسلط الضوء علی القضية الفلسطينة بشکل غير مباشر ويبرزها بکافة جوانبها الأليمة. جاء توظيف هذه الشخصية کقناع بأنماطه المتعددة في مجموعاته الشعرية الأولی بشکل مکث |