
سخن سردبير
اين مجله دو زبانه که با کوششي جانکاه فراهم ميآيد و به خوانندگان ايراني و عرب تقديم ميگردد، در حقيقت دست محبت است که به سوي براداران عزيزمان دراز ميکنيم، پل دوستي است که به سوي آينده همکاري و همسازي ميزنيم. ما سخت باور داريم که سرنوشتمان از سرنوشت آن برادران جدا نيست، تاريخمان از پانزده سدهي پيش تا کنون يکي است، دينمان، باورهامان، رفتارهامان، شبيهاند؛ آرزوهايمان همچون رنجهايمان يکي است، حتي زورمداراني که به ما ستم روا داشتهاند، نيز يکي بودهاند. پس اکنون که جهان پيوسته کوچکتر و مردمان ناچار به هم نزديک ميشوند، بايد شتابان در پي آن برآييم که ابزارهاي تفاهم را بيشتر کارآمدتر سازيم تا همهي مشترکات و زمينههاي دادوستد را عميقتر شناسائي کنيم و سپس بر همه، جامهي دوستي و همساني بپوشانيم و سرانجام، آنها را در پژوهشهاي خود تبلور بخشيم.
حال اگر اين برنامه را که هنوز آرزوئي دور دست است، هدف خود فرض کنيم، خواهيم توانست رهيافتهايي براي پيشبرد کارها تدارک ببينيم. البته ميدانيم که پيش از ما هم برخي کسان به اين تجربهي دشوار که همانا نشر مجلهاي دو زبانه باشد، دست زدهاند. در دهههاي 30 و 40 خورشيدي بود که مجلهي الدراسات الأدبية به دو زبان و با اهدافي شبيه به اهداف ما در بيروت انتشار مييافت؛ دوست عزيزمان فيکتور الکک دوباره همان مجله را به راه انداخته است. در ايران نيز يکي دو مجلهي دو زبانه انتشار مييابد. ما اينک ميکوشيم از تجربهي همهي اين عزيزان بهره گيريم و مجلهي خود را از دو جهت، يکي ظاهري و صوري، و ديگري دروني و محتوايي، بارور و شايستهي دانشگاهيان سازيم.
از نظر ظاهر پيداست که هر کتاب و مجله ناچار بايد از همهي آيينهاي نوشته و
نانوشته در مورد قطع و حجم و نوع کاغذ و جلد و آرايش هنري کتاب پيروي کند و سپس دربارهي صفحهآرائي و اندازهي خطها و شکل عنوانها و چگونگي نگارش نامهاي شرقي و غربي تصميم قاطعي بگيرد. اما در اين ميان، شايد از همه مهمتر، بهرهبرداري درست و يکسان از ابزارهاي سجاوندي است که هنوز در بسياري از کتابها و مجلههاي کشورهاي خاور زمين از آيين خاصي پيروي نميکند؛ در مجلههاي علمي جدي، شکل نگارشي يک کلمهي دشوار که معنايش را نميدانيم، پيشاپيش به ما ميگويد که آيا آن کلمه، نام انسان است يا نام کتاب و مجله، و يا کلمهاي عادي است.
ما اميد داريم که ابزارهاي سجاوندي را در معني بين الملليشان به کار بنديم تا با ديگر مجلههاي علمي جهان يکسان گرديم و زبان يکديگر را زودتر دريابيم. از نويسندگان دانشمندمان ميخواهيم که مقالات اين شماره چهارم را الگو ساخته، سراسر مقالهي خود و بخصوص کتابنامه را به همين شيوه بنگارند.
از نظر بافت دروني و ژرفساخت معنايي و عاطفي، دو امر را بايد پيوسته در پيش چشم داشت: يکي نوع مقالات ماست، و ديگري حوزهي پژوهشهاي مورد علاقهي ما.
موقعيت ما دانشگاهيان، نوع مقالاتمان را نيز خودبهخود تعيين ميکند. هر مقاله يا بايد تحليلي باشد و دانشآفريني کند، و يا توصيفي باشد و اطلاعاتي را که از پيش وجود داشته اما گرد نيامده بوده، با شيوهاي علمي عرضه نمايد تا زمينهي پژوهشهاي تحليلي ديگر را فراهم آورد.
حوزهي پژوهشهاي ما را نيز، نفسِ دو زبانگي مجله از يک سو، و نوعيت مخاطبان ايراني و عرب از سوي ديگر، معين ميسازد. اين دو عامل، خودبهخود محور کار ما را در آن نقطههايي قرار ميدهند که دو فرهنگ ايراني و عرب با هم تلاقي ميکنند. اين برخوردها و آميختگيها، دامنهاي بس گسترده دارد که به گمان ما هنوز آن چنان که شايستهي فرهنگهاي بزرگ است مورد پژوهش قرار نگرفته است و آنچه هم تا کنون انجام پذيرفته، از کليات در نميگذرد.
ما اميدواريم که نويسندگان دانشمند ما از موضوعاتي يکپارچه انتزاعي يا از آنچه که به حوزههايي دور دست تعلق دارند، چشم بپوشند و بيشتر به موضوعاتي که در
محدودهي فرهنگ عربي – ايراني جاي دارند، بپردازند. پيداست که اين پيشنهاد، درِ پژوهش را بر موضوعهاي بسيار ديگر نميبندد؛ مثلا: تحقيقات آموزشي کاربردي در حوزهي عربي، نقد، ادبيات تطبيقي، بازنگري تحليلي دربارهي دانشهاي کهن ادبي، زبانشناسي و غيره، همه ميتوانند زمينهي کار ما قرار گيرند.
و من الله التوفيق
سردبير
فهرست مطالب
عنوان صفحه
1- أقيسة عقلية من الدرس النحوي الأصولي 1
الدكتور محمد ابراهيم خليفه الشوشتري
2- الإلتزام الديني في شعر الشريف الرضي 25
الدكتور عبدالغني ايروانيزاده
3- روش گفتمانكاوي شعر 45
دكتر فرامرز ميرزايي و ناهيد نصيحت
4- شعر عبدالوهاب البياتي و ناظم حكمت در آينهي ادبيات تطبيقي 71
دكتر خليل پرويني و صديقه حسيني
5- توفيق الحکيم: زندگي، آثار 93
نرگس قنديلزاده
6- گفتمان عرفان در آثار جبران خليل جبران .119
دکتر علي سليمي و محمود شهبازي
7- سير تحول اغراق و نمونههايي از شعر متنبي 135
دكتر علي محمدي
کتابشناخت
1. نظرة إلي مخطوطة نفيسة و مصنفها 155
الدكتور علي هاشم الأسدي
2- معرفي کتاب چالش ميان فارسي و عربي، تأليف دکتر آذزتاش آذرنوش 161
دکتر وحيد سبزيانپور
مجلة الجمعية العلمية الإيرانية للغة العربية و آدابها، فصلية محكّمة، العدد 4، الشتاء 1384 هـ . ش / 2005م، ص 22-1
أقيسة عقلية من الدرس النحوي الأصولي
الدكتور محمد إبراهيم خليفة الشوشتري[1]
ملخص
من المعلوم لدينا أنَّ القياس النحوي والصرفي يختلف اختلافاً كلياً عن القياس الفلسفي أو المنطقي، وإنْ بدا بينهما نوع من التشابه، فالقياس النحوي أصيل في اللغة، وإنْ أدخل بعض النحاة – بعد القرن الرابع – أنواعاً من القياس المنطقي في البحوث النحوية. وهذه حقيقة ثابتة جلية للمتخصصين في علم أصول النحو. والحقيقة الثابتة الأخري هي أنَّ هذا القياس اللغوي قد هيمن علي جميع المسائل النحــوية والصرفية حتي دعا ذلك رئيس مدرسة الكوفة عليّ بن حمزة الكسائي إلي أن يقول:
إنما النحو قياسٌ يُتَّبَعْ وبه في كل أمر يُنتَفعْ
والحقيقة الثابتة الثالثة هي عدم وجود متخصص في علم أصول النحو، لذلك يجب تربية أساتذة متخصصين في هذا العلم. إذ لاشک أنَّ اطـلاع أساتذة النحو والصرف علي حقيقة هذا القياس وأنواعه يساعد كثيراً علي رفع المستوي العلمي. والمهم أنَّ هذه المقالة قد تكفلت ببيان أربعة أقيسة نحوية تنتمي إلي نوع واحد من أنواع القياس الأساسية، وهذا النوع يضم الأقيسة المستنبطة من اطراد دور العقل في اللغة العربية.
الکلمات الدليلية: النحو، نقضالغرض، القياس، الإستغناء، العامل والمعمول، المعادلة، اختصارالمختصر، إيجاب العلة النحوية.
المقدمة
لاشك أنَّ القياس النحوي بجميع أنواعه المختلفة قد استوعب جميع الأبواب النحوية والصرفية ومواضيعهما، وقد صرح بذلك زعيم مدرسة الكوفة عليّ بن حمزة الكسائي حين قال:
إنما النحو قياس يُتّبَعْ وبهِ في كلِّ أمرٍ يُنتَفَعْ
وإنني حاولت أن أتناول جميع أنواع القياس النحوي والصرفي بالبحث والدرس والتمثيل في كتاب سيأخذ طريقه إلي الطبع قريباً – إن شاء الله تعالي –.
والمهم في الأمر الذي نحن بصدده أننا اخترنا لهذه المقالة من أنواع القياس نوعاً واحـداً و هو الذي اشتمل علي الأقيسة النحوية المستنبطة من اطراد دور العقل في اللغة العربية و التي اعتقد علماء النحو مناسبتها للحكمة.
قال ابنجني (الخصائص، 1/47): «إذا تأملتُ حال هذه اللغة الشريفة الكريمة اللطيفة وجـدت فيها من الحكمة والدقة والإرهاف والرقة ما يملك عليَّ جانب الفكر حتي يكاد يطمح به أمام غلوة السحر، فمن ذلك ما نبّه عليه أصحابنا – رحمهم الله – ومنه ما حذوته علي أمثلتهم فعرفت بتتابعه وانقياده وبعد مراميه وآماده صحة ما وُفِّقوا لتقديمه منه ولطف ما أسعِدوا به وفُرِقَ لهم عنه».
وقد انتخبت من أقيسة هذا النوع النماذج التالية: نقض الغرض، اختصار المختصر، المعادلة، وإيجاب العلة النحوية.
القياس الأول: نقض الغرض لايجوز
هذا قياس نحوي تستند إليه مسائل كثيرة كما ستري. والمقصود منه أن الحكم أو المسألة إذا انتهت إلي خلاف ما تقتضيه هذه الحكمة العربية – الغرض العربي – كانت باطلة.
وقد بالغ ابنجني (نفسه، 1/266) في تنزيه العرب عن نقض أغراضها، فقد نزههم عن ذلك كما نُزّهَ الحقُّ تعالي عن البداء. وعقد في كتابه الخصائص باباً لامتناع العرب من نقض أغراضها کما عقد باباً آخر تحت العنوان التالي: باب في الاستغناء بالشئ عن الشئ. و قد ذكر سيبويه (الکتاب، 1/24، 25) ذلك من قبل.
ولقد أوضح ابنجني أنَّ استعمال ما استغنت العرب عنه لايجوز، لأنه نقض لغرضهم و حكمتهم. قال ابن جني (الخصائص، 1/396): «واعلم أنَّ استعمال ما رفضته العرب لاستغنائها بغيره جار في حكم العربية مجري اجتماع الضدين علي المحل الواحد في حكم النظر. وذلك أنهما إذا كانا يعتقبان في اللغة علي الاستعمال جريا مجري الضدين اللذين يتناوبان المحل الواحد. فكما لايجوز اجتماعهما عليه فكذلك لاينبغي أن يستعمل هذان، وأن يكتفي بأحدهما عن صاحبه».
ويبدو أنَّ المسائل المبتنية علي هذا القياس نوعان: نوع يمثل لنا كيفية استنباط النحاة هذا القياس من الكلام العربي، وهذا قياس نسب النحاة استخدامه إلي العرب وعللوا به بعض الظواهر اللغوية كما ستري؛ ونوع يمثل لنا استخدام النحاة أنفسهم هذا القياس في كثير من الأحكام. وفيما يلي أمثلة من النوع الأول و نتلوها بأمثلة من النوع الثاني.
النوع الأول:
1- لايجوز حذف المصـدر المؤكد للفعل، لأنَّ ذلك يؤدي إلي نقض الغرض الذي من أجله جئ بالمصدر، وذلك أنَّ التوكيد إسهاب وإطناب في حين أنَّ الحذف اختصار وإيجاز. قال ابن جني (نفسه، 2/379): «ولمأعلم المصدر حُذف في موضع، وذلك أنَّ الغرض فيه إذا تجــرد من الصفة أو التعريف أو عدد المرات فانما هو لتوكيد الفعل وحذف المؤكِّد لا يجوز».
2- ولايجوز حذف الحال، لأنَّ «الغرض فيها إنما هو توكيد الخبر بها، وما طريقه طريق التوكيد غير لائق به الحذف، لأنه ضد الغرض ونقيضه». (نفسه، 2/378).
3- ولايجوز توكيد الفعل المحذوف لدلالة الحال عليه، لأنَّ العرب قد جعلت الحال المُشاهدَة دالة عليه ونائبة عنه، فلو أكدته لنقضت الغرض. مثال ذلك قولك لمن أصاب الهدف: الهدفَ و اللهِ، أي أصابَ الهدفَ، فلايجوز أن تقول: إصابةً ًالهدفَ، لأنَّ توكيد المحذوف يعني تثبيت لفظه. هذا إذا جعلت (إصابةً) توكيداً للفعل (أصابَ) المحذوف. أما إذا جعلتها قائمة مقامه فذلك بحث آخر ولامانع منه. ويحتمل أن يكون هذا قياساً استخدمه النحاة. وعلي الجملة فكل ما حذف تخفيفاً فلايجوز توكيده لتدافع حاليه به من حيث التوكيد للإسهاب والإطناب والحذف للاختصار والإيجاز فاعرف ذلك مذهباً للعرب (نفسه، 1/289).
وقال (نفسه، 2/279) مبيناً نوع المحذوف الذي لايجوز توكيده: «وإنما كلامنا علي حذف ما يحذف وهو مراد، فاما حذفه إذا لميُرَد فسائغ لاسؤال فيه، وذلك كقولنا: انطلق زيدٌ. ألا تري هذا كلاماً تاماً وإن لم تذكر معه شيئاً من الفضلات مصدراً ولاظرفاً ولاحالاً ولا مفعولاًله ولا مفعولاًمعه ولاغيره. وذلك أنك لم ترد الزيادة في الفائدة بأكثر من الإخبار عنه بانطلاقه دون غيره».
4- لايجوز استعمال الكلمات التالية: (اُثن، واحدان، ثلاثتان، خمستان وعشرتان)، لأنَّ العرب استغنت بواحد عن اُثنٍ وباثنين عن واحدين وبستة عن ثلاثتين وبعشرة عن خمستين و بعشرين عن عشرتين. وإنَّ استعمال تلك الكلمات أو بعضها يعتبر نقضاً للغرض والحكـمة العربية ونقض ذلك لايجوز.
5- لايجوز استعمال اسم الفاعل خبراً لـ (ما) التعجبية، مع أنَّ الموضع في خبر المبتدأ إنما هو للمفرد دون الجملة، لأنَّ العرب استغنت باستعمال الفعل عن استعمال اسم الفاعل في اسلوب التعجب القياسي نحو قولهم: ما أحسنَ العلمَ. قال ابنجني (نفسه، 1/391): «ومثل ذلك استغناؤهم بالفعل عن اسم الفاعل في خبر (ما) في التعجب نحو قولهم: ما أحسن زيداً. و لميستعملوا هنا اسم الفاعل وإن كان الموضع في خبر المبتدأ إنما هو للمفرد دون الجملة».
6- لايجوز تنوين الفعل، ولم يرد ذلك في اللغة العربية لاستمرار الحذف و الجـزم فيه. وهذا يعني أنه موضع للنقص، وما كان كذلك لم تَلِقْ به الزيادة فيه لأنها نقض للغرض. قال ابنجني (نفسه، 3/240): «ومن ذلك امتناعهم من تنوين الفعل. وذلك أنه قد استمر فيه الحذف والجزم بالسكون لثقله فلما كان موضعاً للنقص منه لمتَلِقْ به الزيادة فيه. فهذا قول وإنْ شئت قلت: إنَّ التنوين إنما لحق في الوقف مؤذناً بالتمام والفعل أحوج شئ إلي الفاعل فاذا كان من الحاجة إليه من بعده علي هذه الحال لميلق به التنوين اللاحق للإيذان بالتكامل والتمام، فالحالان إذاً كما تري ضدّان».
7- لايجوز تنوين المضاف، لأنَّ المضاف شديد الحاجة إلي الوصل بالمضاف إليه في حين أنَّ التنوين مؤذن بالوقف وعدم الحاجة إلي ما بعد المضاف فلو نونت المضاف لنقضت الاضافة. قال ابنجني (نفسه، 3/240): «... ولأجل ذلك ما امتنعوا من لحاق التنوين للمضاف، وذلك أنَّ المضاف علي غاية الحاجة إلي المضاف إليه من بعده. فلو ألحقته التنوين المؤذن بالوقف وهو متناهٍ في قوة الحاجة إلي الوصل جمعت بين الضدين و هذا جلي غير خاف...».
8- لايجوز تعريف الفعل، ولم يرد ذلك عن العرب، لأنَّ الغرض فيه إفادته. فلابد أنيكون نكرة لتتم به الفائدة، فتعريفه نقض للغرض. قال ابنجني (نفسه، 3/233): «ومن ذلك امتناعهم من تعريف الفعل، وذلك أنه إنما الغرض فيه إفادته، فلابد من أنيكون منكوراً لا يسوغ تعريفه...».
9- لايجوز ادغام المثلين من الثلاثي المزيد للإلحاق بالرباعي، نحو: (جلبب) و (شملل) كما اُدغما في نحو: (شدَّ) و (مَدَّ) لأنَّ الادغام نقض للغرض من الالحاق، لأنَّ الغرض هو حصول الموازنة التي بها تحصل الاستفادة من الملحق في حين أن الإدغام يبطل هذه الموازنة فلاتحصل الفائدة. قال ابنجني (نفسه، 3/232، 233): «فمن ذلك امتناعهم من ادغــام الملحق نحو: جَلْبَب و شَمْلَل... وذلك أنك إنما أردت بالزيادة والتكثير البلوغ إلي مثال معلوم، فلو ادّغمت في نحو: (شُرْبُب) فقلت: (شُرُبّ) لانتقض غرضك الذي اعتزمته من مقابلة الساكن بالساكن والمتحرك بالمتحرك فأدّي ذلك إلي ضدّ ما اعتزمته ونقض ما رُمتَهُ فاحتُمِلَ التقاء المثلين متحركين لِما ذكرنا من حراسة هذا الموضع وحفظه».
10- لايجوز حذف الموصوف ولاحذف الصفة، لأنَّ الإيضاح إنما يحصل من مجموعهما. وحذف أحدهما ينقض الغرض الذي هو الإيضاح. قال ابنيعيش (المفصل، 3/59): «اعلم أنَّ الصفة والموصوف لما كانا كالشئ الواحد، من حيث كان البيان والإيضاح إنما يحصل من مجموعهما كان القياس أن لايحذف واحد منهما، لأنَّ حذف أحدهما نقض للغرض وتراجع عما اعتزموه...».
النوع الثاني:
1- «أجاز أبوالحسن: أظنَنتُ زيداً عمراً عاقلاً ونحو ذلك، وامتنع منه أبوعثمان و قال: استغنتِ العربُ عن ذلك بقولهم جعلته يَظُنُّهُ عاقلاً» (ابن جني، 1/271).
2- «ومثل امتناعهم من نقض الغرض امتناع أبيالحسن من توكيد الضمير المحذوف المنصوب في نحو: الذي ضربتُ زيدٌ. ألا تري أنه منع أن تقول: الذي ضربتُ نَفسَه زيدٌ. علي أنَّ (نفسَه) توكيد للهاء المحذوفة من الصلة» (ابنجني، 1/127). وهذا عندنا غير جائز وليس ذلك، لأنَّ المحذوف هنا ليس بمنزلة المثبت بل لأمر آخر وهو أنَّ الحذف هنا إنما الغرض به التخفيف لطول الاسم فلو ذهبت تؤكده لنقضت الغرض، وذلك أنَّ التوكيد والإسهاب ضد التخفيف والإيجاز فلما كان الأمر كذلك تدافع الحكمان فلميجـز أن يجتمعا...» (نفسه، 1/287، 2/280).
3- ذهب بعض النحاة وهو أبوإسحاق الزجاج في تخريج قراءة مَن قرأ: ﴿ إنَّ هذان ِلَساحِـران ﴾ (طه، 36) إلي أنَّ (إنّ) بمعني (نعم) وأنَّ (هذانِ) مبتدأ أول، وأنَّ اللام ليست بزائدة بل هي لام الابتداء التي تعطي معني التأكيد، وقد كانت مقترنة بمبتدأ محذوف خبره (ساحران)، فلما حذف المبتدأ انتقلت إلي خبره، وعليه فخبر (هذان) جملة اسمية والتقدير هو: (إنَّ هذان لَهما ساحرانِ).
وذكر الزمخشري أنَّ أباإسحاق الزجاج قد أعجب بهذا الرأي. ومثل هذه القراءة – في أحد القولين – قول الشاعر (من الرجز، و القافية من المتراكب):
اُمُّ الحُلَيْس ِلَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ تَرْضي مِنَ اللَّحْم ِبِعَظْم ِالرَّقبَهْ
(النحاس، 3/46؛ ابن هشام، 1/148)
وقول الآخر يمدح النبيّ (ص) (من الطويل، و القافية من المتواتر):
فإنَّكَ مَنْ حارَبْتَهُ لَمُحارَبٌ شَقِيٌّ وَمَنْ سالَمْتَهُ لَسَعِيدُ
(ابن عقيل، 1/366)
ولكنَّ أباعلي الفارسي قد ردَّ رأي الزجاج بقياس نقض الغرض، لأنَّ المحذوف مبتدأ و اللام تأكيد له. ومعلوم أنَّ تأكيد المحذوف نقض للغرض. قال ابنجني (سر... ، 1/380): «وحكي عن أبيإسحاق أنه قال: هذا الذي عندي فيه والله أعلم، وكنت عرضتُه علي عالمنا محمدبنيزيد وعلي إسماعيلبنإسحاق فقبلاه و ذكرا أنه أجود ما سمعاه.
وأعلم أنَّ هذا الذي رواه أبوإسحاق في هذه المسالة مدخول غير صحيح، وأنا أذكره لتقف منه علي ما في قوله. ووجه الخطأ فيه أنَّ (هما) المحذوفة التي قدّرها مرفوعة بالابتداء لمتحذف إلاَّ بعد العلم بها والمعرفة بموضعها، وكذلك كل محذوف لايحـذف إلاّ مع العلم به... وإذا كان معروفاً فقد استغني بمعرفته عن تأكيده باللام، ألا تري أنه يقبح أن تأتي بالمؤكِّدِ وتترك المؤكَّد فلاتأتي به، ألا تري أنَّ التوكيد من مواضع الإطناب والإسهاب والحـذف من مواضع الاكتفاء والاختصار، فهما إذن كما ذكرت لك ضدان لايجوز أنيشتمل عليهما عقد كلام...». والحق أنَّ هذا الرأي لأبيعليالفارسي كما ذكرنا. لكنَّ ابنجني لم يُشر إلي ذلك ولعلَّه من توارد الخواطر.
4- لميجز ابنجني اجتماع فاعل (نعم) إذا كان اسماً ظاهراً مع التمييز في جملة واحـدة، لأنَّ الفاعل إذا كان اسماً ظاهراً استغني عن التمييز، لذلك فالجمع بينهما نقض للغرض، واستناداً لهذا القياس حكم ابنجني بزيادة (زاداً) للتأكيد في البيت الذي سنورده في نصه التالي، لأنَّ استعمال ما استغني عنه نقض للغرض.
قال ابنجني (الخصائص، 1/395، 396): «ونظير ذلك أنَّ (الرجل) من نحو قولهم: (نعمَ الرجلُ زيدٌ) غير (الرجل) المضمر في (نعم) إذا قلت: (نعمَ رجلاً زيدٌ) لأنَّ المضمر علي شريطة التفسير لايظهر ولايستعمل ملفوظاً به، ولذلك قال سيبويه: هذا باب ما لايعمل في المعروف إلاّ مضمراً أي إذا فسر بالنكرة في نحو: نعمَ رجلاً زيدٌ. فانه لايظهر أبداً، وإذا كان كذلك علمت زيادة الزاد في قول جرير (من الوافر، و القافية من المتواتر):
تَزَوَّدْ مِثْلَ زادِ أبِيكَ فِينا فَنِعْمَ الزادُ زادُ أبِيكَ زادا
(جرير، ص 135)
وذلك أنَّ فاعل (نعم) مظهر فلاحاجة به إلي أن يُفسر، فهذا يُسقط اعتراض محمدبنيزيد عن صاحب الكتاب في هذا الموضع».
5- إذا وقع الفعل المضارع بعد الفاء المجاب بها طلب محض فإنه ينصب بـ (أنْ) واجبة الإضمار نحو: ائتِني فأكرِمَك. وقال أبو النجم (من الرجز، و القافية من المتواتر):
يا ناقُ سِيرِي عَنَقاً فَسِيحا إلي سُلَيمانَ فَنَسْتَريحــــا
(سيبويه، 3/35؛ المبرد، 2/13).
والمراد بالطلب المحض أن لايكون مدلولاً عليه باسم فعل الأمر أو بلفظ الخبر. فان كان مدلولاً عليه بأحد هذين وجب رفع الفعل المضارع بعد الفاء وامتنع نصبه نحو: صَه فأحسِنُ إليكَ، وحسبُكَ الحديثُ فينامُ الناسُ. وقال ابنمالك مثبتاً هذا الحكم (من الرجز و القافية من المتدارك):
و الأمْرُ إنْ كانَ بِغَيرِ (افعَلْ) فلا تَنصِبْ جَوابَهُ و جَزْمَهُ اقبَلا
(ابن عقيل، 2/357).
أي: اقبل جزم الفعل المضارع إن كان جواباً لأمر مدلول عليه باسم فعل الأمر أو بلفظ الخبر، وذلك بعد حذف الفاء منه نحو: صَهْ اُحسنْ إليكَ و حَسبُكَ الحديثُ ينَم ِالناسُ.
والمهم أنَّ العلماء غير الكسائي لميجيزوا نصب المضارع الواقع بعد الفاء جواباً لاسم فعل الأمر غير القياسي فلميجيزوا: صَه فأحسنَ إليك. وقد بَيَّنَ ابنجني في نصه التالي أنَّ علة عدم جواز النصب هي نقض الغرض. قال ابنجني (الخصائص، 3/48): «فان قيل... هلاّ جــاز: صَه فتسلمَ. قيل: يفسد هذا من قِبَل أنَّ (صه) لفظ قد انصرف إليه عن لفظ الفعل الذي هـو (اسكُتْ) وترك له ورفض من أجله. فلو ذهبت تعاوده وتتصوّره أو تتصور مصدره لكانت تلك معاودة له ورجوعاً إليه بعد الابعاد عنه والتحامي للفظ به، فكان ذلك يكون كادّغام الملحق لما فيه من نقض الغرض... فلما تناءي عن الفعل هذا التنائي وتُنُوسيت أغراضه فيه هذا التناسي لميجز فيما بعد أن تُراجَعَ أحكامُهُ و قد درست معارفه و أعلامُهُ فاعرف ذلك». لأنه يشترط في نصب هذا المضارع بـ (أن) الواجبة الإضـمار أن يمكن تأويل ما قبل الفاء بمصدر كما أمكن تأويل ما بعد الفاء بمصدر ليصح العطف، عطف ما بعد الفاء علي ما قبلها. فطلب الفعل (اسكُتْ) أو التماس مصدره عن طريق (صَه) القائم مقام الفعل يعتبر نقضاً للغرض.
قال ابنمالك (شرح التسهيل، 4/41): «لأن المصحح للنصب بعد الفاء باضمار (أن) إنما هو تأويل ما قبلها بمصدر ليصح العطف عليه، فاذا كان قبل الفاء أمر بلفظ المبتدأ والخبر أو اسم فعل تعذر تأوله بالمصدر لِتَعذرِ تقدير صلة لـ (أنْ) فامتنع نصب ما بعد الفاء».
القياس الثاني: اختصار المختصر
هذا هو قياس آخر من الأقيسة المستنبطة من اطراد دور العقل في اللغة العربية والتي اعتقد العلماء مناسبتها للحكمة. فالحكمة هنا تقتضي بأنَّ اختصار المختصر لايجوز. قال ابنجني (الخصائص، 1/273-274): «أخبرنا أبوعلي – رحمه الله – قال: قال أبوبكر: حذف الحروف ليس بالقياس. قال: وذلك أنَّ الحروف إنما دخلت الكلام لضربٍ من الاختصار فلو ذهبت تحذفها لكنت مختصراً لها هي أيضاً، واختصار المختصر إجحاف به تمت الحكاية.
وتفسير قوله: (إنما دخلت الكلام لضرب من الاختصار) هو أنك إذا قلت: ما قام زيد، فقد أغنَتْ (ما) عن (أنفي)، وهي جملة فعل و فاعل. وإذا قلت: قام القوم إلاّ زيداً، فقد نابت (إلاّ) عن (أستثني)، وهي فعل و فاعل. وإذا قلت: قام زيدٌ وعمروٌ، فقد نابت (الواو) عن (أعطف). وإذا قلت: ليت لي مالاً، فقد نابت (ليت) عن (أتَمّني)، وإذا قلت: هل قام أخوك؟ فقد نابت (هل) عن (أستفهم)، وإذا قلت: ليس زيدٌ بقائِمٍ، فقد نابت (الباء) عن (حَقاً) و (البتَّة) و(غير ذي شك)، وإذا قلت: فَبِما نَقْضِهِمْ مِيْثاقَهُمْ (النساء، 155) فكأنك قلت: فبنقضهم ميثاقَهُم فعلنا كذا حقاً أو يقيناً...». ثم قال: «فاذا كانت هذه الحروف نوائب عما هو أكثر منها من الجمل و غيرها لميجز من بعد ذا أن تتخرّق عليها فتنتهكها و تجحف بها».
وبعد ذلك قال (نفسه،2/279): «فقد صح بما ذكرناه إلي أنْ قادنا إلي هنا أنَّ حذف الحروف لايُسَوِّغُه القياس لما فيه من الانتهاك و الإجحاف... هذا هو القياس، ألا يجوز حذف الحروف ولازيادتها ومع ذلك فقد حذفت تارة وزيدت أخري». لذلك لميجيزوا أن تعمل الحروف «في شئ من الفضلات، الظرف والحال والتمييز والاستثناء وغير ذلك. وعلته أنهم قد أنابوها عن الكلام الطويل لضرب من الاختصار، فلو ذهبوا يُعملونها فيما بعد لنقضوا ما أجمعوه، وراجعوا عمّا اعتزموه» (ابن جني، 2/274).
القياس الثالث: المعادلة أو التسوية
هذا قياس آخر من الأقيسة التي اقتضتها الحكمة المودعة في اللغة العربية، ومن أمثلة هذا القياس ما يلي:
1- علل الزجاج رفع الفاعل بقلَّته في الكلام وعلل نصب المفعول بكثرته. قال: «فرفع الفاعل لقلته، ونصب المفعول لكثرته، وذلك ليقل في كلامهم ما يستثقلون، ويكثر في كلامهم ما يستخفون» (ابنجني، 1/49). وهكذا حصل التعادل بتخفيف الثقيل وتثقيل الخفيف. «ولو عكس ذلك لكان عدولاً عن المعادلة التي تقتضيها قضية المَعدلة... وخروجاً عن قانون الحكمة» (الأنباري، ص 49).
2- علل الزجاجي (الإيضاح، ص106) جزم الأفعال بثقلها، فالجزم تخفيف لها، وعلل جر الأسماء بخفتها، فالجر تثقيل لها، وبهذا حصل التعادل في الكلام بتخفيف الثقيل وتثقيل الخفيف. و هذا هو قول الفراء.
3- علل ابنفلاح كسر نون التثنية وفتح نون الجمع «بأنَّ التثنية أخف من الجمع، والكسرة أثقل من الفتحة، فخص الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف للتعادل» (السيوطي، 1/106).
4- عللوا اختصاص «تاء التأنيث الساكنة بالفعل والمتحركة بالاسم لثقل الفعل وخفة الاسم، والسكون أخف من الحركة فأعطي الأخف للأثقل والأثقل للأخف تعادلاً بينهما» (نفسه، 1/107).
5- قال ابنجني (ابنجني، 1/100):«ومن ذلك قول العرب: أقائمٌ أخــواك أم قاعدان؟ هذا كلامها. قال أبوعثمان: والقياس يوجب أن تقول: أقائمٌ أخواك أم قاعدٌ هما؟ إلاّ أنَّ العرب لاتقوله إلاّ قاعدان. فتصل الضمير، والقياس يوجب فصله ليعادل الجملة الأولي».
وايضاح هذه المسألة أننا نعلم أنَّ فاعل المبتدأ الوصف أو قل مرفوعه إما أنيكون اسماً ظاهراً نحو: أمسافرٌ أخوكَ؟ وإما أنيكون ضميراً منفصلاً نحو: ما مسافرٌ أنت. ثم إنَّ مرفوع هذا المبتدأ قد يكون مفرداً كما مُثِلَ، وقد يكون مثني نحو: أقادمٌ أخواك؟ وقد يكون جمعاً نحو: هل صادقٌ المحمدون؟ فاذا كان الفاعل غير مفرد وأردت أن تعطف وصفاً علي هذا المبتدأ وجب إفراد الوصف المعطوف وإبراز الضمير منفصلاً فتقول: (أقائمٌ أخواكَ أم قاعدٌ هما)، وإنما وجب إفراد الوصف المعطوف، لأنه معطوف علي الوصف المستغني بمرفوعه عن الخـبر فيحصل النسق ويتحقق التعادل بين الجملتين.
6- علَّل ابنجني استعمال الألف في التثنية والواو في الجمع بقياس المعادلة، لأنهم جعلوا الألف الخفيفة للتثنية التي تستعمل في الكلام أكثر من الجمع. وجعلوا الواو الثقيلة للجمع المذكر السالم الذي يستعمل في الكلام أقل من التثنية ليقل في كلامهم ما يستقلون، ويكثر ما يستخفون لتتحقق المعادلة في الكلام. قال ابنجني (الخصائص، صص72-70): «فإن قال قائل: فما بالهم ثنوا بالألف. وجمعوا بالواو؟ وهلا عكسوا الأمر؟ فالجواب أنَّ التثنية أكثر من الجمع بالواو، ألا تري أنَّ جميع ما يجوز فيه التثنية من الأسماء فتثنيته صحيحة، لأنَّ لفظ واحدها موجود. وإنما زيد عليه حرف التثنية. وليس كل ما يجوز جمعه يجمع بالواو، ألا تري أنَّ عامة المؤنث وما لايعقل لايجمع بالواو، وإنما يجمع بغير الواو، إما بالألف والتاء وإما مكسرا. علي أنَّ ما يجمع بالواو قد يجوز تكسيره نحو: (زُيُود) في (زيد)، وفي (قيس) (أقياس) و(قيُوس)، فالتثنية إذن أصَحُّ من الجمع، لأنها لاتخطئ لفظ الواحد أبداً. فلما شاعت فيمن عقل وفيما لايعقل وفي المذكر والمؤنث، وكان الجمع الصحيح إنما هو لضرب واحد من الأسماء، كانت التثنية أوسعَ من الجمع، فجعلوا الألف الخفيفة في التثنية الكثيرة. وجعلوا الواو الثقيلة في الجمع القليل ليقل في كلامهم ما يستثقلون ويكثر ما يستخفون فاعرف ذلك».
الرابع: إيجاب العلة النحوية:
إنَّ إيجاب العلة للحكم قياس التزمه كثير من النحاة، ومعني إيجاب العلة للحكم اطراد وجود الحكم لوجودها، فمتي وجدت العلة وجد الحكم لوجودها، فهي إذن موجبة لوجودة لايتخلف الحكم عن علة وجوده، وإنما يبحث في هذا الموضوع في قياس العلة عند ذكر شروط العلة.
فمثلاً نحن نعلم أنَّ علة إعلال (قامَ و باعَ و غزا) هي أنه متي تحركت الواو أو الياء وانفتح ما قبلهما قلبتا ألفين، لذلك انقلب واو (قَوَمَ) ألفاً في (قامَ)، ولذلك أيضاً انقلبت ياء (بَيَعَ) ألفاً في (باعَ)، ولما اطردت هذه العلة اتخذت قياساً يحتكم إليه، وعُدَّ ما جاء مصححاً من نحو (الحَوَكة) و(الخَوَنَة) و(عَوِرَ) شاذاً عن هذا القياس الذي يوجب وجود الحكم الذي هو الاعلال لوجود علته.
قال ابنجني (الخصائص، 1/146): «ومما ورد شاذاً عن القياس.... قولهم: الحَوَكة والخَوَنة، فهذا من الشذوذ عن القياس علي ما تري، وفي الاستعمال منقادٌ غيرُ مُتأبٍّ... وقد قالوا علي القياس: خانة». فعلة القلب موجودة في نحو: (الحَوَكة والخَوَنة والغَيَب) إلاّ أنَّ الحكم وهو القلب متخلف وغير متحقق، لذلك كان الصحيح مخالفاً للقياس، وهذه الحالة تسمي التخصيص، والقول بايجاب العلة يقتضي عدم التخصيص أي عدم تخلف الحكم عن علته.
ولعل بحثنا هذا يستطيع أن يناقش هذا النوع من القياس من الجهة التي اعتقدها النحويون من القياس العقلي لإخراج هذا النوع من الكلمات عن الشذوذ فتكون النتيجة لصالح اللغة.
مناقشة هذا القياس
نحن نعلم أنَّ العلة الحقيقية للقلب هي طلب الخفة، ونعلم أيضاً أنَّ تحرك الواو أو الياء وانفتاح ما قبلهما إنما هو وصف اشتمل علي علة القلب في موارد كثيرة، فقول العرب: (قام) أخف علي ألسنتهم من (قَوَمَ)، وقولهم (باعَ) أخف من (بَيَعَ)، لكنَّ هذا الوصـف لايشتمل أحياناً علي علة القلب، فوجوده في كلمة يكون سبب الخفة لاالثقل كما هو الحال في قول العرب: (الخَوَنة) و(عَوِرَ) و(استَحْوَذَ). فهم لميستثقلوا الواو المتحرك الذي انفتح ما قبله، لذلك فلاداعي للقلب، وعليه فقول العرب: (الخَوَنة) موافق للقياس الذي هو طلب الخفة، وكذلك قولهم: (الخانة) موافق لهذا القياس نفسه. وعليه فإنه يجوز القياس عليهما جميعاً. فتقول: عَوِرَ وعارَ، واستحوذ واستحاذَ، واستدين واستدان، واستبيع واستباع. لكن قد يبقي أمر (قَوَمَ و بَيَعَ) ونحوهما غريباً في الاستعمال، و لاأستطيع أن أقول في هذه الأفعال قولاً فصلاً، ولعلها مما لايحسن القياس عليه.
القياس الخامس: العامل و المعمول
إنَّ عثمانبنجني أول عالم – فيما أعلم – فصَّل البحث عن العامل والمعمول، وبيَّن حقيقة مراد العلماء من هذه النظرية، علي أنَّ أباالقاسم الزجاجي قد تكلم عن العامل في أماكن متفرقة من كتابه الإيضاح في علل النحو، ولكنَّ بحثه لميكن بالتفصيل الذي جاء به ابنجني. وبحثنا هذا يحاول بيان حقيقة مراد العلماء من هذه النظرية علي ضوء ما جاء به هذان العالمان الجليلان مستهدين بما ذكره سيبويه من قبل.
لقد اصطلح النحاة منذ البداية علي ما يمكن أن نسميه بـِ نظرية العامل، وقد «عرضـوا لها علي أنها وسيلة تعليمية تقرب الدراسة من أذهان الدارسين» (شرف الدين، ص254) بعد أن أعانت العلماء أنفسهم علي دراسة الكلام العربي وفلسفته كما أنهم إنما عرضوا لتقسيم الكلام إلي اسم وفعل وحرف كي «يسهل علي متعلم العربية التوصل إليها إذا قسّمت هذه الأشياء، وفصّلَت، وحصل لكل نوع منها ما ينفرد به وما يشركه فيه غيره» (الزجاجي، ص 44).
وقد كان من الطبيعي لعلماء اللغة الذين أرادوا عرض اللغة بشكل قواعد وقوالب محددة مصحوبة بالاقناع أن يبحثوا عن وسيلة تعليمية إقناعــية تعين دارس اللغة العربية علي فهمها وتعلمها بأقرب طريق ممكن. لذلك هدتهم عقولهم بعد بحث ونظر إلي لزوم تصور وجود مؤثر ومتأثر وأثر علي نحو المجاز لا في الحقيقة.
والذي سوغ لهم إقرار هذا التصور مصاحبة الحركات الاعرابية للألفاظ أو المعاني التي اصطلحوا عليها بالعوامل كمصاحبة الكسرة لدخول حرف الجر علي الاسم وظهورها في الاسم، وكمصاحبتها لدخول المضاف علي المضاف إليه وظهورها في المضاف إليه، وكمصاحبة الفتحة – أعني حـركة الاعراب – لوقوع الكلمة بعد الفعل فضلة وظهورها فيها، وكمصاحبتها لدخول (إنَّ) وأخواتها علي الاسم وظهورها فيه، وكمصاحبة الضمة لدخول (كان) وأخواتها علي الاسم وظهورها فيه وهكذا. ومن هنا سميت حروف الجـر عوامل، ومن هنا أيضاً كان الفعل عامل النصب و كانت إنَّ عاملة في اسمها.
قال ابنجني (الخصائص، 1/110-109): «وإنما قال النحـويون: عامل لفظي وعامل معنوي لِيُروك أنَّ بعض العمل يأتي مسبباً عن لفظ يصحبه كـ (مررت بزيدٍ، وليت عمراً قائمٌ)، وبعضه يأتي عارياً من مصاحبة لفظ يتعلق به كرفع المبتدأ بالابتداء، ورفع الفعل لوقوعه موقع الاسم. هذا ظــاهر الأمر وعليه صفحة القول. فأما في الحقيقة... فالعمل من الرفع والنصب والجر والجـــزم إنما هو للمتكلم نفسه لا لشئ غيره، وإنما قالوا: لفظي ومعنوي لما ظهرت آثار فعل المتكلم بمضامّة اللفظ للفظ أو باشتمال المعني علي اللفظ وهذا واضح».
نستفيد من هذا النص أدلة ثلاثة هي:
الأول: هو دليل ما قدمناه.
والثاني: الدليل علي أنَّ الكلام فعل المتكلم: أي: إنَّ الألفاظ التي ينطق بها معمولة له، وهذا ما صرّح به الزجاجي من قبل، وقد تلاهما في التصريح بذلك الرضي الأستراباذي. وليس هذا بجديد لأنَّ سيبويه قد أشار إليه من قبل.
والدليل الثالث: هو أنهم لايقصدون بهذين الاصطلاحين – أعني العامل والمعمول – المؤثر والأثر ولا المُحدِث والحدث، وهذا ما صرح به الزجاجي (الإيضاح، ص83) حين رَدَّ علي مَن قال: «قد أجمعتم علي أنَّ العامل قبل المعمول فيه...»، رَدَّ عليه بقوله: «هذه مغالطة. ليس يشبه هذا الحدثَ والمحدث، ولا العلة والمعلول» (نفسه). وعليه فالعامل النحويّ مُشَبَّهٌ بالعامل الحسي علي نحو المجاز و ليس به» (ابن الأنباري، 1/247).
قال أبوالبركات الأنباري (الإنصاف، 1/46) محتجاً للبصريين في أنَّ عامل المبتدأ هو الابتداء، «إنما قلنا: إنَّ العامل هو الابتداء وإن كان الابتداء هو التَّعرِّي من العوامل اللفظية، لأنَّ العوامل في هذه الصناعة ليست مؤثرة حِسِّيَّة كالإحراق للنار». من قِبَل أنَّ العوامل النحوية معنوية، فانما رفع الفاعل لقلته، وانما نصب المفعول لكثرته (ابن الأنباري، لمع الأدلة، ص94). وعامل الرفع في المبتدأ ما في نفس المتكلم من الإخبار عنه. وقال الأخفش (معاني القرآن، 1/5): «فانما رَفَعَ المبتدأ ابتداؤُكَ إياه».
ومما يسند الدليل الثالث أنَّ النحاة أنفسهم كانوا يتساءلون عن علة عمل هذه العوامل، ثم يجيبون عنها، فعلة عمل حروف الجر شبهها بالأفعال، وعلة عمل (إنَّ) وأخواتها شبهها بالأفعال أيضاً، وعلة عمل النواصب شبهها بالأفعال كذلك. وهذا يدلك علي أنَّ العمل في الأصل إنما هو للأفعال. والمهم أنك لو جئت إلي الأفعال لمتحصل – مثلاً – «من قولك (ضَرَبَ) إلاّ علي اللفظ بالضاد والراء والباء علي صورة (فَعَلَ)، فهذا هو الصوت. والصوت مما لايجــوز أن يكون منسوباً إليه الفعل» (ابنجني، 1/109). ثم إنَّ الضرب الواصل إلي (زيد) والمستفاد من قولك: (ضربتُ زيداً) «ليس هو نفس (ضرب) إنما ثَمَّ أحداثٌ، هذه الحروف دلالة عليها وكذلك القتل والشتم والإكرام ونحو ذلك» (نفسه، 2/277). وهذا يعني انتفاء العمل عن الفعل أساساً. وعلي كل حال فهو غير عامل من جهة أنه صوت، وغير عامل أيضاً من جهة أنه ليس الحدث الذي وقع في الخارج. وهذا يعني عدم وجود مصداق خارجي له، نعم فيه دلالة علي ذلك الحدث.
والمهم أنَّ المؤثر كالنار مثلاً لايسأل عن علة تأثيره، لأنه مطبوع علي ذلك. والسؤال عن علة عمل العوامل النحوية يخرجها عن حيز العوامل الطبيعية و يحكم بأصالتها في النحو. علي أننا لو نظرنا العامل النحوي بدقة لوجدناه مستخدماً في النحو بطريقة خاصة أصيلة مستقلة، فتري الشئ الواحد لايمتنع في النحو أن يكون عاملاً ومعمولاً في نفس الوقت. «وليس بمنكر أن يكون في الكلام عامل قد عمل فيه غيره فيكون عاملاً ومعمولاً فيه كقولنا: رأيت ضارباً زيداً ومررت برجل مكرم أخاه» (الزجاجي، ص141؛ ابن الأنباري، 1/45). وليس بمنكر أيضاً أن يتبادل عاملان العمل، فيعمل أحدهما في الآخر، ومثال ذلك قول العرب: أيَّهُم تَضرِبْ يقم زيدٌ، فـ (أيَّ) اسم شرط جزم (تضربْ) و(تَضرِبْ) عمل النصب في (أيَّ)، فصار كل منهما عاملاً ومعمولاً في وقت واحد. ثم نلاحظ أنَّ «(أيَّهُم) من حيث كانت جازمة لـ (تضربْ) يجب أن تكون مقدمة عليها، ومن حيث كانت منصوبة بـ (تضربْ) يجب أن تكون في الرتبة مؤخرة عنها، فلميمتنع أن يقع هذان التقديران علي اختلافهما من حيث كان هـذا إنما هو عمل صناعي لفظي، ولو كان التعادي والتخالف في المعني لفسد ولميجز» (ابنجني، 1/347؛ الرضي، 1/68)، كما لايمتنع اجتماع عاملين علي معمول واحد، فالخبر –علي رأي– معمول للمبتدأ والابتداء معاً، وكذلك جواب الشرط عند كثير من البصريين معمول لحرف الشرط وفعل الشرط معاً، وهذا ما سمّاه بعضهم بالعامل المركب من مجموع شيئين.
وقد يوجد في النحو عامل يعمل في مكان ولايعمل في مكان آخر. قال الرضي (شرح الکافية، 2/244؛ سيبويه، 2/373): «والضمير عند سيبويه مجرور، و(لولا) عنده حرف جر ههنا خاصة. قال: ولايبعد أنكون لبعض الكلمات مع بعضها حال، فتكون (لولا) الداخلة علي الضمير المذكور حرف جر، مع أنها مع غيره غير عاملة بل هي حرف يُبتدأ بعدها نحو: لولا زيدٌ، ولولا أنت».
ولميمتنع في العربية إلغاء أقوي العوامل –وهو الفعل– عن العمل، وذلك في قول العرب: «قلّما يقومُ زيدٌ، فـ (ما) دخلت علي (قَلَّ) كــافة لها عن عملها. ومثله كثرَما و طالما» (ابن جني، 1/167- 168).
وفي النحو عوامل لاتعمل إلاّ بواسطة الحروف و«لولا توسطها لمتعمل فيما تعمل فيه مع دخول الحرف، ألا تري أنَّ اسم الفاعل إذا كان لما مضي لايعمل عمل الفعل عند عامة النحويين، وقد أجازوا جميعاً: هذا مارٌّ بزيدٍ أمسِ، لمكان حرف الجر. وتقول: أنت أعلم بزيد منك بعمروٍ» (أبوعلي الفارسي، 1/117).
والعامل المتصرف في النحو يجوز تقديم معموله عليه (ابنالأنباري، 1/123)، والحروف لاتعمل إلاّ بشرط الاختصاص. و مرجع كل ذلك الكلام العربي (ابنسراج، 1/113).
نخلص من كل ما مر إلي أنَّ العامل النحوي أصيل في النحـو، وهو مصطلح علمي خاص بالنحو يختلف معناه عما تقرر في الأذهان من وجوب وجود عملية تأثير وتأثر. قال الرضي (شرح، 1/66): «العامل النحوي ليس مؤثراً في الحقيقة حتي يلزم تقدمه علي أثره بل هو علامة».
تعريف العامل
وأحسن تعريف للعامل هو ما جاء به الرضي الأستراباذي إذ قال (نفسه، 1/72): «العامل في الاسم ما يحصل بوساطته في ذلك الاسم المعني المقتضي للاعراب، وذلك المعني كون الاسم عمدة أو فضلة أو مضافاًإليه العمدة أو الفضلة». فالمعني هو المقتضي للاعراب، أي: إنَّ توارد المعاني المختلفة كالفاعلية والمفعولية والإضافة يقتضي الاعراب، فالاعراب هو الإبانة عن المعاني المختلفة بالألفاظ، أي: إنَّ الحركات الإعرابية دلائل علي اختلاف المعاني، وليست وليدة العوامل في الحقيقة، لكنَّ اختلاف العوامل يصاحب اختلاف المعاني، لذلك تسامحوا حين قالوا: إنَّ علامات الإعراب وليدة العوامل.
لقد اتضح لنا مما تقدم أصالة نظرية العامل ابتكاراً واستخداماً، وإنها لتستمد أصالتها واستقلاليتها من أنها مستنبطة مما رآه العلماء مناسباً لدور العقل والحكمة في الكـلام العربي، «و علي أنَّ الاعراب عادة تعودها أصحاب اللغة، و طبعت عليها ألسنتهم، وساقتهم إلي الوجوه الإعرابية سليقة فطرية» (شرف الدين، ص 254).
ثم إنَّ ابنمضاء القرطبي – هو أول من دعا إلي إلغاء العوامل النحوية– لميستطع في النهاية تجاهل حقيقة العامل عند النحاة فقال (ص12):«فإن قيل: إنَّ ما قالوه من ذلك إنما هو علي وجه التشبيه والتقريب، وذلك أنَّ هذه الألفاظ التي نسبوا العمل إليها إذا زالت زال الإعراب المنسوب إليها، و إذا وجدت وجد الإعراب.... قيل: لو لميسقهم جعلها عوامل إلي تغيير كلام العرب... لَسُومحُوا في ذلك». وفي هذا الكلام ما فيه، لكننا نعرض عنه الآن.
وهذا الذي قدمناه لايعني أنَّ بعض النحاة لميتعسفوا في استخدام هذه النظرية، فهناك من النحاة من تعسف وأبطل الرأي الذي ينتهي إلي تقدم المعمول علي العامل معتقداً في العامل التأثير الحقيقي، فقد منع البصريون مذهب الكوفيين في أنَّ المبتدأ و الخـبر يترافعان، لأنَّ ذلك يؤدي إلي تقدم كل واحد منهما علي الآخر، وتقدم المعمول علي العامل لايجوز (ابنالأنباري، 1/48)، إلاّ أنَّ المحققين من النحاة لميرتضوا ذلك، فقد رَدَّ الرضي هذا الرأي وقال (شرح، 1/66): «لأنَّ العامل النحوي ليس مؤثراً في الحقيقة حتي يلزم تقدمه علي أثره بل هـو علامة كما مَرَّ».
ولاتفوتني الإشارة إلي أنَّ توهم أنَّ العامل النحوي مؤثر حقيقة قد حرّف الدراسات النحوية عن اتجاهها اللغوي، فاتسمت عند بعض النحاة بالتعسف والجفاف والتصـرف في اللغة دونما دليل أو بصيرة مما فتح باب النقد والاعتراض علي النحاة كلهم، وإننا لنجد بعض النحاة يحاول الاستدلال علي لزوم تقدم العامل علي المعمول باطراد ذلك في السماع (ابنجني، 1/299) وهذا أمر غير مرضي ولا هو محمود.
والحق أنَّ هذا القياس –أعني وجوب تقدم العامل علي المعمول– لميكن مطرداً عند النحاة، فهناك مسائل أصرَّ النحاة علي بنائها عليه، في حين توجد مسائل انتقضت فيها رتبة العامل، فقدم المعمول فيها علي عامله، وقد أقر النحاة ذلك لاطراده عن العرب كما اطـــرد تقديم المفعول في الاستفهام والشرط.
وإنَّ أكثر العلماء متفقون علي أنه لايجوز تقديم المرفوع علي رافعه ولا تقديم المجزوم علي جازمه (نفسه، 2/385) ولاتقديم المجرور علي جارّه (نفسه، 2/388) ولا تقديم المنصوب مفعولاًبه علي ناصــبه إلاّ إذا كان الفعل الناصب متصرفا، وقد اختلف في تقديم التمييز علي عامله المتصرف (ابنالأنباري، 2/828). وكذا اختلف في تقديم الحال علي عاملها المتصرف (نفسه، 1/250) كما لايجوز تقديم المضاف إليه علي المضاف، لأنَّ المضاف عامل المضاف إليه.
وتوجد مسائل مهمة ابتنت علي هذا القياس القاضي بوجوب تقدم العامل علي المعمول، لكنني آثرت ذكر مسألة واحدة لئلا يطول بنا المقام، ولذلك انتخبت المسألة التالية:
تقديم تمييز النسبة علي عامله المتصرف
رَدَّ ابنجني مذهب المازني والمبرد (المقتضب، 3/37،36) في إجازتهما تقديم تمييز النسبة علي عامله المتصرف مستنداً في ذلك إلي هذا القياس، لأنَّ التمييز المقصود في هذه المسألة ما كان فاعلاً في المعني من نحو: (طابَ محمدٌ نفساً)، و(تَفَقأ الكَبْشُ شَحماً)، فالأصل هو (طابَتْ نفسُ محمدٍ، وتفقأ شحمُ الكبش) فكما لايجوز تقديم الفاعل علي الفعل، لأنه معمول للفعل (ابنجني، 1/196؛ ابنسراج، 1/58) فكذلك لايجوز تقديم ما كان فاعلاً في المعني علي الفعل، وكذلك لايجـوز –أيضاً– تقديم ما أقيم مقام الفاعل–أعني نائب الفاعل– علي الفعل (ابنجني، 2/385).
قال ابنجني (نفسه، 2/384): «ومما يقبح تقديمه الاسم المميز، وإن كان ناصبه فعلاً متصرفا، فلانجيز: (شحماً تفقأتُ) ولا (عَرقاً تصببتُ)... وذلك أنَّ هذا المميز هو الفاعل في المعني. ألا تري أنَّ أصل الكلام: (تصبب عرقي) و(تفقأ شحمي) ثم نقل الفعل وخرج الفاعل في الأصل مميزا، كما لايجوز تقديم الفاعل علي الفعل فكذلك لايجوز تقديم المميز، إذ كان هو الفاعل في المعني علي الفعل».
وواضح أنَّ القول بعدم إجازة تقديم التمييز استناداً إلي قياسه علي الفاعل يعترضه القياس الموجب تصرف عمل العامل إذا كان العامل متصرفاً، ومعلوم أنَّ من تصرف عمل العامل تقديم معموله عليه، فابنجني قد رجح القياس الأول علي هذا القياس، وهذا هو مذهب جمهور البصريين في هذه المسألة (ابنالأنباري، 2/828). أما الذين أجازوا التقديم من البصريين والكوفيين استناداً إلي قياس تصرف العامل فقد رجحوا هذا القياس علي قياس تقدم التمييز علي الفاعل، وهؤلاء –أعني الكوفيين بالذات– قد جعلوا القياس الذي رجحوه هنا مرجوحاً في مسألة تقديم الحال علي عاملها المتصرف فمنعوا تقديمها عليه، لأنهم رجحوا قياس تقدم المظهر علي المضمر علي قياس تصرف العامل (نفسه، 1/250).
مناقشة هذه المسألة
لانري مانعاً من إجازة تقديم التمييز علي عامله المتصرف لوروده في السماع وقوته في القياس، وما أجمل القياس الذي جاء به الرضي الأستراباذي في إجازته تقديم التمييز، فبعد أن رفض ما اعتل به المانعون من إجازة التقديم قاس بذكاءٍ ودقةٍ التمييزَ الذي هو فاعل في الأصل علي نائب الفاعل، فكما أنَّ نائب الفاعل قد أخذ حكم الفاعل من الرفع ووجوب مجيئه بعد الفعل وإن كان في الأصل مفعولاً يجوز تقديمه علي فعله المتصرف، فكذلك التمييز له حكم المفعولبه من النصب وجواز تقديمه علي الفعل وإن كان فاعلاً في المعني، فكما أنَّ الأصل في نائب الفاعل لم يُراع، ولميُراجع، فكذلك في التمييز، حيث صار الفاعل في صورة المفعول كما صار المفعول في نحو: ضُرِبَ اللصُّ في صورة الفاعل.
قال الرضي (شرح، 2/71): «وليست العلة بمرضية، إذ ربما يخرج الشئ عن أصله ولايُراعي ذلك الأصل كمفعول ما لميسم فاعله، كان له لمّا كان منصوباً أن يتقدم علي الفعل. فلما قام مقام الفاعل لزمه الرفع وكونُه بعد الفعل، فأيُّ مانع أن يكون للفاعل أيضاً إذا صار علي صورة المفعول حكمُ المفعول من جواز التقديم».
وهذا القياس لطيف وسليم لقوة وجه الشبه الجامع بين التمييز ونائب الفاعل، فالتمييز فاعل في المعني، ونائب الفاعل قائم مقام الفاعل. وفي التمييز خرج الفاعل علي صورة المفعول فلزمه النصب وجواز التقديم كما أنَّ نائب الفاعل هو مفعول خرج علي صورة الفاعل فلزمه الرفع وكونه بعد الفعل. هذا من ناحية القياس، ومن جهة السماع فقد استشهد مجيزو التقديم بقول المخبل السـعدي (من الطويل، و القافية من المتواتر):
أتَهْجُــرُ لَيلي لِلفِراق ِحَبِيبَها و ما كانَ نَفْساً بِالفِراق ِيَطِيبُ
(المبرد،3/37؛ ابن الخشاب، ص159؛ القيسي، 1/249)
علي أنَّ وجود روايتين للبيت الواحد لايمنع من الاستشهاد بكل منهما خصوصاً وأنَّ رواتهما علماء موثوق بهم، فالرواية السابقة هي رواية المازني و المبرد (ابنجني،2/384؛ ابنخشاب، ص159)، وأما الرواية الثانية –وهي (وما كان نفسي بالفراق تطيبُ)– فقد رواها الزجاج والزجاجي (الجمل، ص243). علي أنَّ الزجاجي قد روي أيضا (وما كان نفساً بالفراق تطيبُ) وقال (نفسه، ص242): «ومن الناس مَن يُقَدِّم التمييز إذا كان العامل فعلاً كما قال الشاعر...».
خاتمة البحث
إننا اطلعنا عن كثب علي أنواع مهمة من القياس العقلي في الدرس الأصولي النحوي، ورأينا كيف تم الأستدلال بهذه الأقيسة، وكيف تمشّت هذه الأقيسة متعايشة مع المسائل والمواضيع النحـوية والصرفية، كما اطلعنا علي نموذجين من المناقشات العلمية، وكل ذلك من شأنه أن يرفع المستوي العلمي للباحث ويغذي قدرته الذهنية علي خوض المسائل العميقة، ومناقشة الموارد التي تستحق النقاش مدعمة بالأدلة العلمية، والخروج بنتيجة علمية مرضية.
المصادر و المراجع
- ابن جني، أبو الفتح؛ الخصائص، لبنان، دار الهدي، 1952م.
- .........................؛ سر صناعة الاعراب، سورية، دار القلم، 1993م.
- .........................؛ علل التثنية، القاهرة، مكتبة الثقافة الدينية، 1984م.
- .........................؛ المحتسب في تبيين وجوه شواذ القراءات و الإيضاح عنها؛ القاهرة، مؤسسة دار التحرير، د.ت.
- ........................؛ المنصف في شرح التصريف، القاهرة، مطبعة مصطفي البابي الحلبي، 1954م.
- ابن الحاجب، عثمان؛ الأمالي، لبنان، دار الجيل، 1989م.
- ابن السراج، محمد بن السريّ؛ الأصول في النحو، النجف الأشرف، مطبعة النعمان، د.ت.
- ابن السيرافي، يوسف؛ شرح أبيات سيبويه، القاهرة، دار الفكر، 1974م.
- ابن عقيل، عبد الله؛ شرح ألفية ابن مالك، القاهرة، مطبعة السعادة، 1964م.
- ابن مالك، جمال الدين؛ شرح التسهيل، القاهرة، هجر للطباعة و النشر، 1990م.
- ابن مضاء القرطبي؛ الرد علي النحاة، لبنان، دار الاعتصام، 1979م.
- ابن هشام، جمال الدين؛ أوضح المسالك إلي ألفية ابن مالك، لبنان، دار إحياء التراث العربي، 1986م.
- ابن يعيش، موفق الدين؛ شرح المفصل، القاهرة، مكتبة المتنبي، 1986م.
- أبوعلي الفارسي؛ الايضاح، لبنان، عالم الكتب، 1996م.
- ............................؛ الحجة في علل القراءات السبع، القاهرة، الهيئة المصريه العامة، 1983م.
- ............................؛ المسائل العسكريات، العراق، مطبعة جامعة بغداد، 1982م.
- الأخفش، سعيد بن مسعدة؛ معاني القرآن، لبنان، عالم الكتب، 1985م.
- الأستراباذي، رضي الدين؛ شرح الكافية، ليبيا، جامعة قاريونس، 1978م.
- الأشموني، علي بن محمد؛ شرح ألفية ابن مالك، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، د.ت.
- الأنباري، أبو البركات؛ الانصاف في مسائل الخــلاف بين النحويين. البصريين و الكوفيين، القاهرة، المكتبة التجارية الكبري، 1961م.
- .............................؛ لمع الأدلة في أصــــول النحو، لبنان، دار الفكر، 1971م.
- البغدادي، عبد القادر؛ شرح أبيات مغني اللبيب، سورية، دارالمأمون للتراث، 1988م.
- الزجاجي، أبو القاسم؛ الإيضاح في علل النحو، لبنان، دار النفائس، 1973م.
- .............................؛ الجمل في النحو، لبنان، مؤسسة الرسالة، 1988م.
- الزمخشري، جار الله؛ الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل و عيون الأقاويل في وجوه التأويل، لبنان، دار الكتاب العربي، 1947م.
- سيبويه، عمرو بن عثمان؛ الكتاب، القاهرة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1975م.
- السيوطي، جلال الدين؛ الأشباه و النظائر في النحو، القاهرة، مكتبة الكليات الأزهرية، 1975م.
- ................................؛ الاقتراح في علم أصول النحو، القاهرة، مطبعة السعادة، 1976م.
- .................................؛ سنة شرح شواهد المغني، سورية لجنة التراث العربي، 1966م .
- شرف الدين، محمود؛ التقعيد النحوي بين السماع و القياس، القاهرة، جامعة القاهرة، 1966م.
- الصبان، محمد بن علي؛ حاشية الصبان علي شرح الأشموني، القاهرة، دار إحياء الكتب العربية، 1966م.
- القيسي، أبو الحسن؛ إيضاح شواهد الايضاح، لبنان، دار الغرب الاسلامي، 1987م.
- المبرد، محمد بن يزيد؛ المقتضب، القاهرة، المجلس الأعلي للشؤون الاسلامية، 1399هـ.
- النحاس، أبو جعفر؛ إعراب القرآن، القاهرة، مكتبة النهضة العربية، 1985م.
- ..........................؛ شرح أبيات سيبويه، النجف الأشرف، مطبعة الغري، 1974م.
الإلتزام الديني في شعر الشريف الرضي
الدكتور عبدالغني ايروانيزاده[1]
ملّخص
يعتبر الشريف الرضي، إضافة إلي کونه رجل دين بارزا و شخصية اجتماعية مرموقة، شاعراً من الطراز الأوّل. وحريّ به أن يقرن بأعظم شعراء العصر العباسي الثاني کأبيتمام والبحتري والمتنبي. أما أهمّ ما يميز شعر الشريف عن شعر أقرانه فهو الإلتزام الديني الذي يکاد يطبع جميع قصائده. هذا الالتزام تجسّد في أهمّ أغراضه التي تناولها وهي الفخر والمديح والغزل والرثاء وغيرها. أما أسباب بلورة هذا الإلتزام في شعره فمرجعها إلي ثلاثة عوامل هي: شرافة نسبه، ومکانته الدينية والعلمية، ثم منزلته الإجتماعية والسياسية في عصره. ونحن في هذه المقالة سنحاول جهد استطاعتنا أن نثبت ذلک من خلال غرضه المدحي حتي تتسنّي لنا معرفته في أغراضه الأخري.
الکلمات الدليلية: الشريف الرضي، الإلتزام الديني، صدق العاطفه، المديح، الرثاء، الفخر، الغزل.
المقدمة
لقد أنجبت البشرية كثيرا من الأدباء المبدعين ممن أثروا الأدب والثقافة والفكر بألوان من الصور والأخيلة والفنون والمعاني والقيم الإنسانية الرائعة، فتركوا بصماتهم واضحة جلية علي مجمل التراث الإنساني الخالد الذي بقي منبعا فياضا لمن جاء بعدهم، فسطر أسماءهم بأحرف
من نور لتبقي خالدة تدل علي آثارهم وخدماتهم.
وهذا النوع من الأدباء لميبلغوا ما بلغوه من هذه المنزلة الرفيعة وذلك المقام المحمود لولا ما ألزموا به أنفسهم من انتهاج طريق واضح ينبع من عقيدة واضحة وصولا إلى هدف سامٍ ونبيل. وهذا هو شأو كل من يطمح إلى الكمال الإنساني. فإذا كان الأدب فارغا من العقيدة وخاليا من الإيمان الصادق بها هبط وهوى بصاحبه، ومن هنا جاءت فلسفة الالتزام في الأدب والفن بشكل عام، فالالتزام لابد أن يكون «مرتبطا بالعقيدة منبثقا من شدة الإيمان بها صادرا في جميع أشكاله وأحواله عن إيديولوجية معينة يدين بها المفكر الملتزم» (أبوحاقة، ص14).
وفي شعرنا العربي كثير من أولئك الشعراء الذين ألزموا أنفسهم انتهاج عقيدة أو فكرة معينة طبعوا بها أشعارهم ولوّنوا بها قصائدهم، فغدت سمة غالبة عليهم ومعلما بارزا يشير إليهم. فنحن عندما نسمع بشعراء كإمرئ القيس وعمر بن أبي ربيعه ونزار قباني تتبادر إلى أذهاننا المرأة – وما تمثله من أنوثة طاغية- بكل تفاصيل جسدها من أعلي طرتها حتى أخمص قدميها. وكذلك فإننا لا نكاد نسمع بشعراء كالطرماح بن حكيم والكميت بن زيد وإيليا أبي ماضي حتى نتذكر الدفاع المستميت عن عقيدة أو مذهب أو مثل أعلي يؤمن بها كل من هؤلاء. وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر الشعراء الملتزمين في مختلف العصور والأمكنة.
والشخصية التي نحن بصددها تعد خير نموذج لهذا الذي أوردناه، فما إن نسمع بالشريف الرضي حتى يقف الذهن والقلب والعقل معا إجلالا وتعظيما لكتاب ضمّ بين دفتيه أعظم وأنبل وأشرف ما أبدعته العقلية الإنسانية من أفكار وقيم ومثل خالدة كادت أن تنسي أو تعفوها الطبائع الفاسدة السائدة لولا هذا الشريف الذي كان له الشرف الأوفى والقدح المعلَّي في جمع وتبويب ذلك السفر الفذّ لجدّه الإمام علي عليه السلام، ومن ثم تسميته بهذا الاسم الرائع الكريم نهج البلاغة الذي لا يعد نهجا للبلاغة والبيان فحسب بل هو نهج متكامل للحياة الحرة الكريمة التي يتوق إليها كل إنسان حر شريف.
وكان الشريف الرضي أول من انتهج هذه الطريقة والتزم هذا الدرب، فكانت حياته كلها التزاما انعكس بشكل جلى علي ما تفتقت عنه قريحته الشعرية الفياضة في جميع الأغراض والموضوعات التي طرقها، فلم يحد عن النهج الذي خطَّه لنفسه قدر أنملة، وإن كان قد شذّ في شيء، فذلك في خروجه علي القاعدة المعروفة «أعذب الشعر أكذبه» لأن الشريف كان صادقا في نفسه ومع نفسه، وبالتالي كان صادقا في شعره الذي طلع علينا نقيا عذبا رائقا، بزّ به فحول الشعراء. فمن منّا من سمع بكلام أصدق من هذا قولاً، وأعذب لفظاً، وأروع تصويراً، وأحلي وقعاً في القلب حيث يقول (ديوان، 1/181):
ولقـد مـررتُ علي ديارِهمُ وطُلـولها بِيَـدِ البِلي نَهْـبُ
فوقفتُ حتى ضَـجّ من لغبٍ نِضوي ولـجّ بعذليَ الرّكْـبُ
وتلفّتتْ عيـني ومُذْ خَفِيَـتْ عنْها الطّـلولُ تلفّتَ القلْـبُ
أو حين يقول (نفسه،2/107):
يا ظبيةَ البانِ تَرعـي في خمائلِه لِيَهنَـكِ اليومَ أن القلبَ مرعاكِ
المـاءُ عندكِ مبذولٌ لشـاربهِ وليسَ يرويكِ إلاّ مَدمعي الباكي
هبّتْ لنا من رياح الغـَورِ رائحةٌ بعدَ الرُّقـادِ عَرفنـاها بِرَيّـاكِ
ثم انثـنَينا إذا ما هـزّنا طـربٌ علي الرحال تعلّلنا بذكـراكِ
سهمٌ أصابَ وراميه بذي سـلمٍ مَن بالعراق لقد أبعدتِ مرماكِ
وعدٌ لعينيكِ عندي ما وفَيتِ بـهِ يا قربَ ما كذَبتْ عيْنيّ عينـاكِ
حكتْ لحاظُكِ ما في الريمِ من مُلَحٍ يومَ اللقاءِ فكان الفضلُ للحاكي
كأنّ طرفَكِ يومَ الجِـزعِ يُخبرُنا بما طوَي عنكِ من أسماءِ قَتْـلاكِ
أنتِ النّعيـمُ لِقلبي و العذابُ لَـهُ فما أمَرّكِ في قَلْـبي و أحـلاكِ
ليس هذا السحر، وليست هذه الروعة سوي رشحات من ذلك الإيمان العميق الذي كان يعمر قلب الشريف، ويملك عليه جوارحه، رغم أننا لم نلمس شيئاً مادياً ظاهراً من هذا الإيمان في النموذجين أعلاه إلا ما كان من صدق العاطفة ورقة الشعور وعفة النفس وصفاء السريرة.
وحتى تتسنَّي لنا الكتابة في هذا الجانب المشرق والكامن من شعر الشريف الرضي أولى لنا باديء ذي بدء أن نكتشف الجانب المشرق المضيء والبارز منه والذي خصصنا له هذا البحث حيث كان للجانب الديني هذا دورٌ بارز في حياة الشريف الأدبية والفكرية والإجتماعية والسياسية جميعاً، ومن ثم فقد ألقت هذه الجوانب المتعددة بظلالها علي موضوعات شعره في أغراضه المختلفة. وقبل الخوض في هذه الأغراض الشعرية والتماس ملامح الالتزام الديني في ثناياها نعرج بشكل سريع علي أهم عوامل تشكيل هذا الجانب في حياة الشريف الرضي، لأنه يمس صميم ما نحن بصدده.
حياته الإجتماعية
هو أبو الحسن محمد بن الحسين بن موسي بن محمد بن موسي بن إبراهيم المجاب ابن الإمام موسى الكاظم سابع أئمة أهل البيت عليهم السلام، حيث يرتفع نسبه الطاهر إلى الإمام الحسين بن علي بن أبي طالب عليهما السلام (ابنعنبة, ص236؛ الأمين، 9/216). أما أمّه فهي فاطمة بنت الناصر الصغير أبي محمد الحسين بن أحمد بن الحسن الناصر الكبير، صاحب الديلم، ابن علي العسكري بن الحسن بن علي الأصغر بن عمر الأشرف ابن علي زين العابدين بن الإمام الحسين )ع(، ولهذا كان الرضي يلقّب بذي الحسبين (ابن أبي الحديد،1/11).
ولد ببغداد سنة 359 هـ وتوفي فيها سنة 406هـ وهو في السابعة والأربعين من عمره (ابن خلكان،4/48). كان أبوه ذا إرادة قوية وأصالة رأي، وكانت له منزلة عظيمة عند الخلفاء العباسيين والملوك البويهيين، تولى نقابة الطالبيين وإمارة الحج وديوان المظالم مرات، وكان فيها مثال العالم التقي العادل، ثم تولى الشريف الرضي وظائف أبيه جميعها بعد أن أعفي منها سنة 388هـ (نور الدين،صص12-13).
كانت للرضي صلة قوية ببهاء الدولة الذي أنعم عليه بألقاب كثيرة إضافة الى لقبه السابق منها: الشريف الجليل وذو المنقبتين والشريف الأجلّ، ولقبه بنقيب النقباء حين ولاّه النظر بأمور الطالبيين في جميع أنحاء البلاد. وهذه المناصب والألقاب كلها دليل ساطع علي عظمة الشريف، ومكانته المتميزة، وشخصيته الفذّة، إذ كيف يتسنى لشخص أن يتولى كل هذه المناصب المهمة والحساسة في عصر تعددت فيه الأهواء والميول دون أن يكون ذلك الشخص نادر المثال كالشريف (نفسه، ص16).
حياته العلمية
عرف الشريف بذكائه الوقّاد وقدراته الخلاقة منذ يفاعته، فقد قرأ القرآن وحفظه، وهو حدث السن، علي إبراهيم بن احمد بن محمد الطبري (البغدادي،2/246)، وانخرط في مدرسة شيخ الإمامية وعالمها الشهير أبي عبد الله محمد بن النعمان المعروف بالشيخ المفيد في سن مبكرة جداً ليتعلم منه الفقه (ابن ابي الحديد، 1/13-14)، ودرس النحو علي يد ابن السيرافي النحوي (ابن خلكان،4/45)، واللغة علي يد ابن جني قبل أن يبلغ العاشرة من عمره (نور الدين،ص13).
وهكذا فإننا نجد الشريف الرضي قد نهل من علوم العربية والدين وهو لميبلغ الحلم، كل هذا نضيفه إلى التربية الصالحة التي تلقاها في بيت علم وأدب ومجد وصلاح مما أهّله فيما بعد ليحتلّ مكانة كبيرة في ميدان العلم والمعرفة فيؤسس داراً لطلبة العلم، درس وتخرّج فيها كثير من العلماء والأدباء (ابن معصوم،ص473).
مؤلفاته
أما مؤلفاته فإنها تدل علي باع طويل وعلم غزير في علوم القرآن والأدب، أهمها جمعه و تصنيفه لخطب وأقو ال الإمام علي )ع( وتسميتها بـ نهج البلاغة، وكان قد أعده ليكون القسم الأول من كتاب بعنوان خصائص الأئمة والذي حال دون إكماله محاجزات الزمان ومماطلات الأيام (عبده، 1/48). وله في بلاغة القرآن حقائق التأويل في متشابه التنزيل وتلخيص البيان في مجازات القرآن وفي بلاغة الحديث النبوي الشريف مجازات الآثار النبوية، و من كتبه في الأدب: كتاب الحسن من شعر الحسين وهو منتخب أشعار الحسين بن الحجاج الشاعر المعروف المتوفى سنة 391هـ، وكتاب مختار شعر أبي إسحاق الصابي و غيرها. أما ديوان شعره فقد اعتنى الشريف بجمعه بنفسه، وكان قد طلبه منه الصاحب بن عباد، وابنة سيف الدولة الحمداني، كما قام بشرحه في حياته أستاذه ابن جني. وقد مدح هؤلاء عرفاناً منه، ورثاهم وفاءً وتقديراً (الشريف الرضي، تلخيص، ص79). وديوانه اليوم يضم مجلدين كبيرين.
شاعريته
أما شاعريته فنكتفي بإيراد ما قاله فيه معاصره أبومنصور الثعالبي )ت429هـ (في كتابه يتيمة الدهر حيث قال عنه ملخصا كل ما قلناه في الشريف بقولـه (3/136): «ابتدأ يقول الشعر بعد أن جاوز العشر سنين بقليل، وهو اليوم أبدع أبناء الزمان وأنجب سادات العراق، يتحلي مع محتده الشريف ومفخره المنيف بأدب ظاهر وفضل باهر، وحظ من جميع المحاسن وافر … ثم هو أشعر الطالبيين ممن مضي منهم و ممن غبر علي كثرة شعرائهم المفلقين، ولو قلت إنه أشعر قريش لمأبعد عن الصدق، فشعره عالي القِدح ممتنع عن القَدح يجمع إلى السلاسة متانة، وإلى السهولة رصانة، ويشتمل علي معانٍ يقرب جناها ويبعد مداها».
من صور الالتزام الديني في شعر الشريف
مما سبق يمكن أن نخلص إلى القول أن شعر الشريف تتقاسمه وتتنازعه ثلاثة جوانب أساسية هي:
1- نسبه الشريف: وهو الذي ما فتيء ينوِّه به مفتخراً بانتسابه إلى الدوحة العلوية المباركة في مناسبة أو غير مناسبة، وفي أغلب الأغراض والموضوعات التي تناولها في شعره.
2- مكانته الدينية والعلمية: وهي التي تجسدت بشكل واضح في المعاني الأخلاقية والمثل الإنسانية التي توزعت في أغراضه الشعرية المختلفة ضمن عناوين العفة والوفاء والحلم والورع والزهد.
3- مكانته الإجتماعية والسياسية: وهي التي جعلته يترفع عن مجاراة معاصريه من الشعراء في الموضوعات والأغراض الشعرية الهابطة كالتكسب بالمديح، والتصاول بالهجاء، و التفحش بالغزل، وغير ذلك من معاني اللهو والعبث والمجون.
وبناءً علي ما تقدم فإننا نري مظاهر الإلتزام في شعر الشريف الرضي موزعةً علي محاورَ وأغراضٍ رئيسية هي: الفخر، والمديح، والغزل، والرثاء، ننتقي للبحث واحداً منها وهو المدح لنري التزام الشريف فيه حتي يتسنّي لنا أن نشير إليه في بقية أغراضه.
مديح الشريف الرضي
دراسة مديح الشريف الرضي بجميع جوانبه هدف صعب المنال يتطلب وقتا کثيرا لايسعه مجال بحثنا هذا، ولا تستوعبه هذه الوريقات، إذن فلننظر فيه باختصار من ناحيتين:
الأولي: المضمون التقليدي
کان الشريف الرضي في مدحه للخلفاء والملوک والأصدقاء يعتمد علي التراث العربي القديم، يعتمد علي تراث الشعراء الجاهليين والإسلاميين ويعتمد علي الشعراء العباسيين مثل أبيتمام والمتنبي محرراً هذا التراث من زمانه ومکانه، فهو في مدحه کان بدوياً صحراوياً مقلداً للجاهليين معتمداً علي تراثهم لأنه في تصويره کرم الممدوح يعتمد علي الماضي، ففي مدحه الخليفة الطائع يقول (ديوان، 1/13):
ومثلُکَ مَن يُعشي إلي ضَوءِ نارِه ويُلفَي قِراهُ عند کلّ خِباءِ
فعبارة إلي ضوء ناره ويُلفي قِراه وکلمة خباء، کل هذه عبارات وکلمات بدوية صحراوية نجدها ترددت کثيراً في شعر الجاهليين، ويعتمد علي النابغة والأخطل أيضاً في ذلک في مثل مدحه لأبيه (نفسه، 1/82):
غَمامُکَ فَيّاضٌ ورِيحُکَ غَضَّةٌ وحَوضُکَ ملآنٌ ورَوضُکَ مُعشِبُ
هذه کلمات فيها السهولة والقوة والجزالة وفيها الموسيقي العذبة اللينة تناغي موسيقاها ألفاظها فتمنحها معني شعرياً غير محسوس. غمام ممطر زاخر بالماء کماء الفرات عند الأخطل، مطر غزير وخيره عميم تسوقه ريح لينة غضّة، منعشة عطرة، مطر يملأ السهول والوديان ويملأ الأحواض والغدران ويسقي العشب في البساتين ويمنح الأرض خيراً وبرکة وخصبا، کل هذا کناية عن الکرم وحلو الشمائل وشرف المحتد ونجابته.
وهو عندما يصور شجاعة الممدوح يُذکّر بأبيتمام معتمداً عليه في وصف شجاعة المعتصم وبالمتنبي (ضيف، ص372؛ الفاخوري، الجامع...، ص834) في مدح شجاعة سيف الدولة، فاسمعه يعرض مشهداً من مشاهد الحرب في مدح بهاء الدولة قائلاً (ديوان،1/274):
قائدُ الخيل تساقي بالرّدي تحت آسادٍ لَها النقع لُبَد
تَحسِبُ الشُّوسَ علي أکتادهاِ فِلَقَ الجندَلِ في ماءِ الزَّرَد
إنّه ملک تجاوز حدود البشر شجاعة وإقداماً، إنّها خيله، وهي ليست خيلاً کسائر الخيول، إنها خيل هذا القائد العظيم فکما تجاوز قائدها حدود الإنسان شجاعة کذلک هي تجاوزت حدود أفراد جنسها، إنّها تتساقي الموت تحت فوارس ليسوا من جنس البشر بل هم من جنس الأسود إلاّ أن لبدها النقع، إنهم في القوة والشجاعة کقائدهم تخطوا حدود الإنسان، إنهم کفلق الجندل قدرة وجرأة وشجاعة.
هذه نماذج تدلنا علي أن الشريف الرضي کان يترسم خطي الشعراء الأولين في مدحه، فلاشک أنه کان شاعراً عباسياً في بيئة عباسيه يخضع شعره وخاصة موضوع الغزل لعمل العقل العباسي المنظم في اختيار الألفاظ الموسيقيه المناسبة للمعني.
الثانية: الإلتزام الديني
ظاهرة استعادة التراث في الحياة الأدبية لها قيمة مهمة، لأنها تربط الأدب الحاضر بالأدب الماضي، ولکن يجب أن لاننظر إليه نظرة تعبدية ايجابية فقط بل يجب أن ننظر إليه نظر ناقد متفحص يميز بين الحسن والقبيح لتجنب الخطأ، ولتکون النتائج المتوخاة مفيدة ايجابية بشرط أن تکون محاکمتنا له - أي محاکمة السند والمضمون - محاکمة عادلة.
ودراستنا للإلتزام الديني في شعر الشريف الرضي تحتّم علينا التريث والتروّي لاستنباط ما نريد تحقيقه والوصول إليه، لأن المؤرخين ينقلون عن صفاته الذاتية والنفسية العلمية والعملية- التي يمکن أن يکون فيها الکثير من الحقيقة والواقع – ما يجعله في مصاف الشخصيات الرفيعة التي لايدانيها الخطأ ولا يرتفع إليها الإشتباه، لأنه کان ملتزماً بأوامر الدين ونواهيه (الشريف الرضي، تلخيص، ص38)، فلم يذکر المؤرخون عنه أيّ خطأ قولاً وفعلاً کما نلاحظ وجود ذلک عند کثير من الشعراء وربّما کانت حياته العملية تطبيقاً لقوله حيث يقول (ديوان، 2/402):
وإنّي لَمأمونٌ علي کلّ خَلوَةٍ أمينُ الهوي والقَلبِ والعَينِ والفَهمِ
وغَيري إلي الفَحشاءِ إن عَرَضَت له أشدٌّ مِنَ الذُؤبانِ عَدواً عَلي الدّمِ
وقوله أيضا (نفسه، 1/108):
ولِلحِلمِ أوقاتٌ و لِلجَهلِ مِثلُها ولکِنَّ أَوقاتي إلي الحِلمِ أَقرَبُ
و قوله أيضاً (نفسه، 2/ 125):
أنا المَرءُ لا عِرضي قَريبٌ مِنَ العِدا و لا فِِيَّ لِلباغي علَيَّ مَقالُ
فهل کان الشريف الرضي کذلک في حياته الفردية والإجتماعية، وهل کان ملتزماً بالدين في شعره، فلننظر في مدائحه ثم نصدر الحکم بعد النظر فيها.
ارتسمت الخلافة في مخيلة الشريف الرضي وترسّخت فيها منذ أدرک ووعي، فصُورتها في نفسه ترجع إلي معرفته عن الخلافة وما صاحبها من اشکاليات، لأن تاريخها ملييء من الظلم و الجور، فتطلعاته إليها ولّدت في نفسه انفعالات جرت في ينبوع أدبه الزاخر ولوّنته بلونها الخاص، فهو خليق بها بعيد عنها وقد عرف الکثير ذلک وتفرّسوه فيه في أدبه ومنهم صديقه أبو اسحق الصابي فقد قال مخاطبا إياه (الثعالبي، 2/355):
أبا حسنٍ لي في الرجالِ فَراسَةٌ تَعَوّدتُ منها أن تَقُولَ فَتَصدُقا
سترقَي إلي العَلياءِ أبعدَ مُرتَقي وقد خبَّرَتني عنکَ أنک ماَجد
کان الطموح إلي الخلافة يأخذ علي الشريف الرضي کل طريق ويستولي علي کل تفکيره وأحاسيسه ولکنه لميکن يملک القوة للوصول إلي ذلک المنصب الرفيع في نظر الناس عامة والمسلمين خاصة، لأن عقل المجتمع آنذاک وتفکيره کان مخدَّراً بفکرة الخلافة العباسية. ومن هذا المنطلق کان السبيل الوحيد للشريف الرضي إلي بيان طموحه، وغايته هو الشعر يُکنّي فيه مرة ويُصرِّح فيه أخري وربما بثّ طموحه هذا ويأسه منه ممزوجاً بنغمة الأسي والحزن في نسيبه الرقيق مُکَنِّيا عنه بإحدي محبوباته الحجازيات من مثل قوله (ديوان، 2/107):
يا ظَبيَة البان ِ تَرعي في خَمائِلِهِ ليَهنِکِ اليومَ أنَّ القلبَ مَرعاکِ
الماءُ عندَکِ مَبذُولٌ لِشارِبِهِ وليس يُرويکِ إلاّ مَدمَعُ الباکي
أنتِ النعيمُ لِقَلبي والجحيمُ له فما أمرَّکِ في قَلبي وأَحلاکِ
وهو أيضاً حين يمدح شخصية خليفة أو وزيراً لايستحق مدائحه فإنه ينظر إلي هذه المدائح کوسيلة إلي غاية دينية سامية هي الوصول إلي الخلافة التي يراها حقاً له باعتباره علوياً قريب النسب من الأئمة الطاهرين فينشد من مثل (نفسه، 1/135):
إلي أملٍ قد حانَ قَودُ جَنِيبِهِ وما قولي الأَشعارَ إلاّ ذَرِيعَتي
ضَمِنتُ لَهُ هَجرَ القَريضِ وخَوبِهِِ وإنّي اذا ما بلّغَ اللّهُ مُنيَتي
فهو يعتبر قول القريض ذريعة ووسيلة إلي الوصول إلي هدفه فاذا ما تحقق هجره وترکه لميعرف عن الشريف الرضي في غرض المدح ما عرف به معاصروه من شعراء العصر العباسي الثاني وغيرهم من تکسبهم بالشعر واتخاذه وسيلة يتاجرون بها، حاشاه وهو السيد النجيب ابن السادة النجباء الذين فيهم وحدهم يحلو المدح ويطيب الثناء. فإنّ مدحه بعيد کل البعد عن الطمع في جائزة أو التزلف إلي حاکم، کيف يکون ذلک وهو الذي يخاطب الخليفة بقوله «إلا الخلافة ميّزتک...»، إنه مَدَحَ ولکنه جانَبَ المبالغة والمين وابتعد عن أن يصف الممدوح بما ليس فيه، وهذا يُذکِّر بقول زهير حيث يقول (ديوان، ص30):
أثُني عليکَ بما عَلِمتُ وما سلَّفتَ في النَّجَداتِ والذّکرِ
ولکنّه جانَبَ زهيراً أيضاً، لأنه لم يقف علي أبواب الممدوحين سائلاً مستجدياً يخلق ماء وجهه، کيف يکون ذلک وهو الذي لم يکن يقبل صلة ولا جائزة من أحد حتي من أبيه، لم يکن يمدح إلا لاعتقاده أنّ المديح دَين يجب أداؤه، وخلق کريم يجب الإلتزام به، وحق وأمانة يجب الوفاء بهما لکل صديق سواء کان حاکماً أم أديباً، فجاء مديحه محبباً للنفوس مليئاً بالعاطفة البرئية من التزلف والتملّق وإسقاط النفس بل ربّما شاهدنا مدحه مصحوباً - أحياناً - بالفخر علي الممدوح بنسبه الشريف الذي لا يدانيه نسب مهما بلغ من العظمة والرفعة، و هل نسبه غير الذي عبر عنه بقوله (ديوان، 1/112):
إني لَمِن مَعشَرٍ إِن جُمّعُوا لِعُلَي تَفَّرَقُوا عن نبي أو وَصِي نَبي
واذا نظرنا إلي مديح الشريف الرضي وجدناه يتوزع علي ثلاثة أقسام بشکل عام:
1- مدحه للنبي (ص) وآله الطاهرين الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهير الذين يحلوا المديح فيهم ويطيب.
2- مدحه لأبيه وهو مدح اختص به الشريف الرضي، وربما لم يعرف مثل هذا المديح قبل الشريف وهو ما يستوعب نصف قصائدة المدحية.
3- مدحه للخلفاء والوزراء والأصدقاء وغيرهم، وکان کلُّه إجلالاً وتکريماً لا تزلّفاً وتملّقاً ولا وسيلة من وسائل الکسب.
أمّا مدحه للنبي (ص) وآله عليهم السلام فواجب عين يفرضه عليه انتماؤه إليهم أولاً ومنّهم عليه بالنعم الکثيرة التي توجب شکرهم ثانياً. ثم إن ردّ الجميل من أخلاق المهذّبين من الرجال، فشعره لن يخلد إلا بمدحهم وسوف لن يطبق الآفاق ولن تسير به الرکبان ما لميتلذذ فيه بذکر أسمائهم، فاسمعه يترنّم بمدحهم قائلاً (نفسه، 1/112):
أُهَذِّبُ في مَدح الرجالِ خواطري فاصدقُ في حُسنِ المعاني وأکذبُ
وما المدحُ الاّ في النَبيّ وآلِهِ يُرامُ وبعضُ القولِ ما يُتجنَّبُ
وأولي بَمدحِي مَن أعِزُّ بفَخرِهِ ولا يشکرُ النَّعماءَ الاّ المهذَّبُ
أري الشعرَ فيهم باقياً وکأنَّما تُحَلّّقُ بالأشعارِ عَنقاءُ مُغرِبُ
وقالوا عجيبٌ عُجبُ مِثلي بنفسِهِ وأين علي الأيام مثلُ أبي أَبُ
لَعَمرُکَ ما أُعجِبتُ الاّ بمدحِهم ويحسَبُ أنّي بالقَصائِدِ مُعجَبُ
أَعِدُّ لفخري في المقامِ محمّداً وأدعُو عليّا لِلعُلَي حين أرکَبُ
واسمعه أيضا يشدو بذکرهم قائلاً (نفسه، 1/117):
آلُ النبيّ ومَن تَقَلّبـ ... بَ في حُجُورِهُمُ الکتابُ
خُلِقَت لَهُم سُمرُ القَنا والبِيضُ والخَيلُ العِرابُ
أما مدحه لأبيه فالتاريخ يحدثنا أن أبا الشريف الرضي قد زُجّ في السجن وکان الشريف آنذاک في العاشرة، فهاجت عاطفته وتفجّرت قريحته ثائرة علي المجرمين بحق أبيه بقصيدة يمدحه قائلاً فيها (نفسه، 1/83):
أُحِبُّکُمُ ما دُمتُ أُعزَي إليکمُ و ما دامَ لي فيکم مُرادٌ و مَطلَبُ
ومن ذلک الحين أخذ يقدم مديحه إلي والده فلاتکاد تمرُّ مناسبة إلاّ والشريف ينتهزها ليمدح أباه ويُطريه شعوراً منه بواجب الطاعة والتقدير، ويمکن أن نعزو ذلک أيضاً إلي ما عزونا إليه مدحه لآبائه الطاهرين (ع)، فقد کان أبوه مجمع الفضائل والقيم والأخلاق الإسلامية الفاضلة، وهذا کله مدعاة إلي مدحه أيضاً وقد نيّفت قصائده في مدح أبيه علي أربعين قصيدة تتسم بأسمي معاني الطاعة والتقدير والأخلاق ممزوجة بالحنين والحزن والشکوي من الزمان (نفسه، 1/83-82):
إذا قُلتُ فيکَ الشعرَ جوَّدَ مادِحٌ و أکثَرَ وَصّافٌ و أَعرَقَ مُطنِبُ
و غيرُکَ لا أطُرِيهِ إِلاّ تکلُّفاً وغيرُ حَنيني عند غيرِکَ مُصحَبُ
ثم إنه لميهمل أُمه التي أولته بالغ العناية بل رعَته خير رعاية فقد شکرها علي تربيتها له وعنايتها به خير الشکر مقدماً إليها أحسن معاني المديح وأجملها مُنمنَمةً بالأخلاق السامية والعواطف الصادقة، ففي قصيدته التي رثاها بها يقول مادحاً إياها (نفسه، 1/27):
لو کان مثلَکِ کلُّ أُمّ بَرَّةٍ غَنيَ البنونَ بها عن الأباء
کيفَ السّلُّوُ وکلُّ مَوقعِ لحظة أَثرٌ لفضلِکِ خالدٌ بإزائي
وأما مدحه للخلفاء والوزراء والأصدقاء فهو ليس کسائر المديح، إنه «لم يتکسب به علي نحو ما کان يفعل بعض الشعراء الذين يفدون من بلاد بعيدة ليبيعوا أشعارهم في بغداد، وإنما کانت مدائحه شاهداً علي اشتباکه في المعارک السياسية التي کانت تثور في فارس والعراق، فالشريف شاعر وسياسي» (مبارک، ص155؛ أبوحاقة، ص13-14) کان له عقيدة يؤمن بها، وموقف لا يحيد عنه، وهذا الموقف وتلک العقيدة يصورهما التزامه الديني الذي أسلفنا الإشارة إليه. فهو إذا مدح الخلفاء فإنه نِدّهم وإذا أطري الملوک والأمراء فإنه صنوهم، بل إنه کان يري أنّ مناصبهم التي يشغلونها إنما هي جديرة به وهو دونهم. وخير مثال علي ذلک قصيدته في مدح القادر باللّه التي قالها في مجلسه علي مرأي ومسمع من حشد عظيم من حجيج خراسان وغيرهم، وقد ختمها بالأبيات التاليه مخاطباً الخليفة بقوله (نفسه، 2/42):
عَطفَاً أميرَالمؤمنينَ فإنّنا في دَوحَةِ العَلياءِ لانتفرَّقُ
ما بَيَننا يومَ الفَخار تفاوُتٌ أبداً کلانا في المعالي مُعرِقُ
إلاّ الخلافةَ ميّزتکَ فإنّني أنا عاطِلٌ منها وأنتَ مُطَوَّقُ
فالأبيات من السهولة والوضوح بحيث لاتحتاج إلي بيان، لکنّ کلمة «عطفاً» يُشَمُّ منها رائحة «مهلاً»، فالشريف الرضي وهو ما هو عليه من الفصاحة والبلاغة لم يأت بکلمة «مهلاً» يخاطب بها الخليفة مع أنَها ولا شک کانت في مکانها من ذهنه إلاّ أن التزامه الديني مضافاً إلي طبعه الخُلقي واحترامه لمقام الخلافة خاصة بعد ثنائه علي الخليفة أبي عليه أن يأتي بکلمة «مهلاً» بل خاطبه بکلمة «عطفاً» ليذکّره بأنه أَولي منه بها، هذه الخلافة التي غدت له طوقاً، علي ما في هذه الکلمة من إيحاءات ودلالات، وما ذلک کلّه الاّ لالتزامه الديني والخلقي.
ولقد کان الشريف يتوسم في ممدوحيه من الخلفاء والملوک الصفات الإسلامية والأخلاق الحميدة، وکأنّه يرسم لهم الطريق الذي عليهم أَن يسلکوه وهم يسوسون العباد ويحکمون البلاد. قال يمدح الخليفة الطائع (نفسه، 2/416):
لکُم أرجاءُ زمزمَ و المُصَلّي وبَطحاءُ المشاعِرِ والمَقامِ
وأنتم أطولُ العُظَماءِ طُولاً وأندي في المُحُولِ مِن الغَمامِ
وقال يمدحُه أيضاً بقصيدة أخري (نفسه، 2/526-525):
يا مَن لهُ الرأيُ الزَّنيـ ... قُ ومَن له الحِلمُ الرَّزِين
لکَ ذُروَةُ البيتِ المعظَّمِ والأباطِحُ والحَجونُ
وهو في مديحه هذا يسدِّدُ ما عليه من واجب ردِّ الجميل بالجميل بعدما تناهي الخليفة في إکرامه والحفاوة به، وهذا ما تفرضه أخلاق الإنسان المؤمن. ولذلك هو لاينسي وقد مدح الخلفاء والأصدقاء أن يطوف بأستاذه أبي الفتح عثمان بن جني، عسي أن يردّ عليه شيئاً يسيراً مما له في عنقه، فقال مادحاً إيّاه (نفسه، 2/167-168):
فِدي لأبي الفتح الأفاضل إنه يَبرُّ عليهم إن أرَمّ وقالا
إذا جَرِتِ الآدابُ جاء أمامها قَرِيعاً وجاء الطالبون افالا
فتي مُستعادُ القولِ حُسناً ولم يکن يقول مُحالاً أو يُحيلُ مَقالا
ليَقرِيَ أسماعَ الرجالِ فصاحةً ويُورِدَ أفهامَ العقول زُلالا
ويُجري لنا عذباً نميراً وبعضُهم إذا قال أجري للمسامع آلا
أسَفُّهمُ إن مُيّزَ القومُ خِلّةً وأثقَبُهم يومَ الجدالِ نِصالا
وربما يتحرج البعض من مدح الخصوم -خاصة- في الدين، وهذا هو ما أُخذ علي الشريف الرضي في مدح الصابي، ولکنّا إذا ما نظرنا إلي بعض هؤلاء الخصوم نجدهم يتمتعون بصفات حميدة وميزات سامية وبايجابيات خاصة تجعلهم أهلاً للمدح ولاحقاق الحق والعدالة فيهم، وکان الصابي من هؤلاء، فعندما أُخِذ علي الرضي رثاؤه له أجابهم بجواب يستند إلي الدين ويُوميء إلي الحقيقة والواقعية والموضوعية بعيداً عن العواطف والأحاسيس والشعور الذّاتي الخاطِيء فقال: إنما رثيتُ أدبه التزاماً منه بما يأمره به الدين الحنيف بعيداً عن العواطف ملتزماً بقوله تعالي (المائده،8):«ولا يَجرِمَنَّکُم شَنَآنُ قَومٍ عَلَي أن لاتَعدلوا، إعدِلُوا هو اَقرَبُ للتقوي».
هذه مقتطفات من صور مدح الشريف رَسَمَت لنا الإلتزام الديني الذي کان يتمتع به، فلننظر نظراً خاطفا إلي بعض أغراضه الشعرية الأخري لنري هل کان يتمتع بهذا الإلتزام فيها أيضاً ولنبدأ بالرثاء أوّلاً لأنه مثل المدح.
الرثاء
في شعر الشريف الرضي قد عزفت أوتاره ألحاناً کئيبة مملوءة حزناً ومرارة، مرتّلة علي مسامعي المنکوبين والثکلي آيات مثيرة للمشاعر والعواطف، مستنزفة للدموع والعبرات، ملتزمة مع کل ذلک بما يأمر به القرآن الکريم، متخذة من أقوال الرسول الکريم منهاجاً مستقيماً يتحلّي بالصبر الجميل والإيمان الصادق الذي لايستولي عليه جزع ولا يثيره هلع.
للشريف مراثٍ کثيرة، رثي اُمّه وأباه وبعض أساتذته وأصدقائه مثل ابن جني وأبي اسحق الصابي، کما رثي جدّه الحسين (ع)، وله في رثائه عليه السلام خمس قصائد، أهمها وأوّلها في ديوانه تلک التي نظمها انطلاقاً من مبدأ التزامه الديني لينشدها النّاحَةُ علي مسامع الناس علي مرّ العصور والأزمان مصوراً فيها واقعة کربلاء وما سال فيها من دماء طاهرة ودموع جارية وهو يستهلها بقوله (نفسه،1/44):
کربلا لازلتِ کرباً وبَلا ما لَقِي عندکِ آلُ المُصطَفي
کَم عَلَي تربِکِ لمّا صُرعُوا مِن دَمٍ سالَ و مِن دَمعٍ جَرَي
يا رسولَ اللهِ لو عاينتَهم و هُمُ ما بين قَتَلي و سِبا
لَرأت عيناکَ منهم مَنظراً للحَشا شَجواً و للعينِ قَذَي
والقصيدة مملوءة بالحزن واللوعة والأسي والأنين، ولقد عُني الشريف بتصوير واقعة کربلاء وما جري فيه من ظلم علي آل النبي (ص) منتقياً ألفاظها سهلة بحيث لاتعلو علي أفهام العامة کي ينشدها الناحة علي مسامع الناس إثارة لعواطفهم ومشاعرهم.
والرثاء غرض يرتبط ارتباطاً وثيقاً بقيمة أخلاقية سامية من قيم الدين الاسلامي، ألا وهي قيمة الوفاء، ولا نعدو الصواب إذا اعتبرنا قيمة الوفاء في شعر الشريف الرضي من أهم عناصر الإلتزام الديني والخلقي، وهذا الإلتزام وذاک الوفاء هما اللذان دفعاه إلي رثاء المسلم وغير المسلم، الشيعي وغير الشيعي.
فخره
الفخر موضوع وجداني يحاول الشاعر فيه أن يثبت أمام خصمه العنيد الذي يحاول النيل من شمائله والحطّ من فضائله. وفخر الشريف الرضي لميکن إلاّ تلک الأخلاق المتعالية عند الناس، إنه يفخر بنسبه، وأکرِم به مِن نسب لايعلوه نسب وأکرِم به مِن فخر لايدانيه فخر، وما فخره إلاّ للدفاع عن نفسه أمام حسّاد کرّروا هجاءه ونسبوا إليه عيوباً هو بريء منها (نفسه، 1/131):
أولئکَ قَومي لم يُغمَزُوا بِهُجَنةِ أُمّ و لا لُؤمِ أب
و مَن قالَ: اِنّ جميعَ الفَخار لِغَيرِ ذَوَائِبِ قَومي کَذَب
وقوله أيضاً (نفسه، 1/112-113):
المجدُ يعلمُ أنَّ المجدَ مِن أَربي ولو تمادَيتُ في غيّ و في لَعِبِ
إنّي لَمِن مَعشَرٍ إن جُمِّعُوا لِعُلَي تفرَّقُوا عن نبيّ أو وصّي نَبِي
وعندما يخاطب الخليفة القادر بالله يخاطبه بأخلاق سامية مخاطبة الندّ للندّ کما مرّ سابقاً في قوله «عطفاً أميرالمؤمنين» وهو إذ يفتخر لايستخدم فخره للتعالي علي الناس والنيل منهم بل کثيراً ما يمزج فخره بشکواه من الزمن.
إن التزامه الديني وأخلاقه السامية يمنعانه من النيل من الآخرين والحطّ من أقدارهم ليرفع من قدره، إذ لم يکن يحتاج إلي ذلک وهو ما هو عليه من علوّ الهمّة والخلق النبيل وکرم النسب وشرف المحتد، وحتي الحسّاد الذين کانوا يعيبونه بشعره فيغيظونه ويهجونه لميکن يحط من قدرهم فِعلَ الشعراء الآخرين بل نراه يأبي أن يذکر حتي أسماءهم، فکان يکنّي عنهم بضمائر غائبة، وکان هذا دأبه حتي آخر حياته، وما ذلک إلاّ لتمسکه بالدين والتزامه بالأخلاق الفاضلة السامية الذاتية التي طبع عليها وجُبِل (نفسه، 1/127):
رَمَوني بالعُيوبِ مُلَفَّقاتٍ وقد عَلِموا بأني لاأُعابُ
وانّي لا تُدَنّسني المخازِي وإني لا يُرَوّعُني السِّبابُ
ولمّا لميُلاقُوا فيَّ عَيباً کَسَوني مِن عُيوبِهِمُ وعَابُوا
ولميستطع حسد الحاسدين ولا مضايقات المعادين أن يجعل من الشريف الرضي انساناً هجّاءً بل حوّله إلي رجل حليم عطوف علي مثل هؤلاء الحساد والمضايقين عملاً بالآية الکريمة (الفرقان،63):«وإذا خاطَبَهُم الجاهلونَ قالُوا سلاماً»، وما ذلک إلاّ لأنه ملتزم بالدين يأتمرُ بأوامره وينتهي عن نواهيه، وقد نهي الدين العظيم عن الهجاء وتمزيق الأعراض، وکم کان عزيزاً عليه وکم کان يحرق قلبه أن يکرهوه علي الردّ عليهم، ودينه وخلقه يأبيان عليه ذلک لأنهما يمنعانه عنه ولذلک لانجد هجاءً له، فديوانه يکاد يخلو منه (نفسه، 2/587):
وإنّي إذا أبدي العَدُوُّ سَفَاهَةً حَبَستُ عَنِ العَوراءِ فَضلَ لِسانيا
وکنتُ إذا التَاثَ الصَّدِيقُ قَطَعتُهُ وإن کان يوماً رَائِحاً کنتُ غادِيا
ويقول (نفسه، 1/108):
ولِلحِلمِ أوقاتٌ و لِلجَهلِ مِثلُها ولکنّ أوقاتي إلي الحِلمِ أقرَبُ
أمّا بالنسبة إلي أصدقائه فالعکس هو الصحيح، فنحن نجده يأنس إليهم وتشرق أساريره بالحديث معهم، لهذا کان يردّد أسماءهم، أمّا أعداؤه – وکما رأينا - فقد ظلّوا طيّ الغيب لانعرف مَن هم، کلّ هذا إن دلّ علي شيء فإنّما يدلّ علي ذلک الخلق الرفيع والوفاء الصادق، فاسمعه يشدو بأسماء أصدقائه قائلاً (نفسه،2/275-276):
نُظِمنا نِظامَ العِقدِ وُدّاً وألفَةً وکان لنا البَتّيُّ سِلکَ نِظامِ
أخي وابنُ عَمّي وابنُ حَمدٍ فإنّه تبارِيحُ قلبي خالياً و غَرامي
تَعَالَوا نُوَلِّ اللاّئَمين تَصَامُماً ونَعصِ علي الأيامِ کلَّ مَلامِ
للّه هذه الأخلاق الفاضلة والشمائل العذبة الطيّبة التي کان الشريف يتمتع بها، کان شديد الإخلاص صادق الودّ للأصدقاء بغضّ النظر عن دينهم ومذهبهم ماداموا حافظين للودّ باقين علي العهد، وما مَدحُ الطائع الذي يخالفه في المذهب ورثاء الصابي الذي ينتمي إلي دين غير دينه إلاّ نموذج صادق لإخلاص الشريف للأصدقاء ووفائه بعهودهم.
الغزل
أما غزله فهو مقطوعات وأناشيد عطرها الطهر ونمنمها العفاف وزرکشها الدين بخيوط من الحب الطاهر العفيف، هذه الأناشيد بقيت ترنيمات علي شفاه العاشقين والمحبين ونغمات يترنمون بها کلّما هاجت عواطفهم وثارت أحاسيسهم.
غزل الشريف غزل طاهر عفيف علي کثرته وعذوبته ورقته، عفّته صفة فطرية فيه لايقتسرها في شعره قسراً ولا يفتعلها افتعالاً (نفسه، 1/658):
خَلَونا فکانت عِفَّةٌ لا تَعَفُّفٌ وقد رُفِعَت في الحَيِّ عنا المَوَانِعُ
سَلُوا مَضجَعِي عَنّي وعنها فأنَّنا رَضِينا بما يُخبِرنَ عنّا المَضَاجِعُ
للّه هذه العفّةُ وهذا الطّهر! ما أجملها أخلاقاً وأروعها ذمّة دينيّة وما أفعمه قلباً يحترق بالوجد ويتأجج بنار المحبّة (نفسه، 1/175):
أقِلُّ سَلامي إِن رأيتُکِ خِيفَةً وأَعرِضُ کَيما لا يُقالُ مُرِيب
وأطرِقُ والعينانِ يُومِضُ لَحظُها إليکِ وما بَينَ الضُّلوعِ وَجِيبُ
والشريف الرّضي، إضافة إلي عراقة أسرته العلوية، کان يضمُّ نفساً مفطورة علي العفّة والإباء والرفعة والدين، فلميستطع في حبّه إلاّ أَن يکون عفيفاً عذرياً ملتزماً بالدّين أشدّ الإلتزام، فاسمعه کيف يرتدي العفة دثاراً والتُّقي شِعاراً حين يقول (نفسه، 2/274):
و ظَبيَةٍ مِن ظِباءِ الأنسِ عاطِلَةٍ تَستَوقفُ العَينَ بين الخمصِ و الهَضَمِ
لَو أنَّها بِفِناءِ البَيتِ سانِحة لَصِدتُها و ابتدَعتُ الصَّيدَ في الحَرمِ
قدِرتُ مِنها بلا رُقبي و لاحَذَرٍ علي الذي نامَ عن لَيلي و لم اَنَمِ
بِتنا ضَجِيعينِ في ثَوبَي هَوَي وتُق